عمود ظِلَال القمــــــر
عبدالرحمن محمـــد فضــل يكتب:
amff95@yahoo.com
في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الدول تتكشف الحقائق التي طالما غُيّبت خلف ضجيج السلاح وشعارات القوة وما يجري اليوم من تصدّعات وانشقاقات داخل صفوف المليشيات المسلحة ليس مجرد حدث عابر بل مؤشر عميق على هشاشة البنية التي قامت عليها تلك التشكيلات وعجزها عن الاستمرار كقوة متماسكة في مواجهة اختبار الدولة والمجتمع، لقد كشفت هذه الانشقاقات عن غياب القيادة الموحدة وتضارب الأجندات وانعدام المشروع السياسي الواضح وهي عوامل تجعل من أي كيان مسلح خارج إطار الدولة عرضة للتفكك عند أول منعطف جاد فالمليشيات بطبيعتها تقوم على الولاءات الضيقة والمصالح المؤقتة لا على أسس وطنية جامعة أو مؤسسات راسخة وهو ما يفسر تسارع وتيرة التصدع في صفوفها مع اشتداد الضغوط
غير أن الخطر لم يكن في ضعف هذه المليشيات بقدر ما كان في سلوكها خلال فترة تمددها حيث مارست أنماطاً من العنف المفرط والانتهاكات التي طالت المواطنين الأبرياء فأرهقت المجتمع وأثقلت كاهله بالخوف والدمار لقد تعاملت هذه التشكيلات مع المدنيين بمنطق القوة المجردة بعيداً عن أي ضوابط أخلاقية أو قانونية ما عمّق فجوة الثقة بينها وبين المجتمع ورسّخ صورة قاتمة يصعب محوها من الذاكرة الجمعية وفي قلب هذا المشهد يبرز غياب المشروع الوطني كأحد أبرز أوجه الأزمة فهذه المليشيات لم تحمل يوماً رؤية متكاملة لبناء الدولة أو إعادة إعمارها بل بدت أقرب إلى أدوات وظيفية تخدم مصالح ضيقة أو – في أسوأ التقديرات – مخالب لقوى خارجية سعت إلى نهب ثروات البلادواستنزاف مقدراتها ومع غياب البوصلة الوطنية تحولت البنادق من أدوات يفترض أن تحمي الوطن إلى وسائل تهدد وجوده ذاته ولم تتوقف تداعيات هذه المرحلة عند حدود العنف المادي بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي حيث أسهمت المليشيات في إذكاء النعرات القبلية والعنصرية وضربت أسس التعايش التي ظل السودان يتميز بها لعقود طويلة لقد خلّفت هذه السياسات شرخاً مجتمعياً عميقاً يحتاج إلى جهود كبيرة وصادقة لرأبه وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع ومع ذلك فإن تاريخ السودان بما يحمله من إرث في الحكمة والتسامح يبعث على الأمل، فبرغم قسوة التجربة تظل قدرة السودانيين على تجاوز المحن واستعادة وحدتهم عاملاً حاسماً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، إن دور الحكماء والعقلاء من قيادات مجتمعية وفكرية ودينية سيكون محورياً في تضميد الجراح،َ ونبذ خطاب الكراهية وإعادة الاعتبار لقيم التعايش والتكافل إن الطريق
إلى التعافي لن يكون سهلاً، لكنه ممكن فإعادة بناء الدولة على أسس العدالة وسيادة القانون وإطلاق مشروع وطني جامع يعبّر عن تطلعات جميع السودانيين، يشكلان المدخل الحقيقي لتجاوز آثار هذه المرحلة، كما أن ترميم الشروخ النفسية والاجتماعية لا يقل أهمية عن إعادة الإعمار المادي إذ لا يمكن لوطن أن ينهض ما لم تستعد مكوناته ثقتها ببعضها البعض، وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة الأهم أن الحروب مهما طالت ليست امرا مستمرا ودائماً بل هي لحظات عابرة في مسار الشعوب، وسوف يظل السلام هو الأصل وستبقى الحرب – بكل قسوتها – سحابة صيف عابرة تنقشع لتفسح المجال أمام وطن أكثر قوة ومنعة وتماسكاً وطن يستعيد عافيته بإرادة أبنائه ويعيد كتابة مستقبله على أسس الوحدة والعدالة والاستقرار.






