مقالات وتقارير

ترنّح العملة يربك الأسواق..توقف تجار عن البيع..

الخرطوم / فوري نيوز

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

أبدى مواطنون تحدثوا لـ«الكرامة» انزعاجاً بالغاً من حالة تذبذب العملة الوطنية وتراجعها المتواصل أمام العملات الأجنبية، وما ترتّب عليه من ارتباك في أسعار السلع والخدمات وتفاقم الضائقة المعيشية، مطالبين الحكومة بالتدخل العاجل والحاسم لإيقاف حالة الانفلات التي باتت تلقي بظلالها الثقيلة على حياة السودانيين، ويقف المواطن السوداني اليوم محتاراً وهو يرى تآكل قيمة الجنيه، في وقت تتسع فيه دائرة الغلاء، وتتراجع القدرة الشرائية، بينما دخل التجار أنفسهم في دائرة من الفوضى، بعد أن أصبحت تكلفة إعادة شراء السلع تتغير بصورة متسارعة، الأمر الذي يجعل عملية التسعير أكثر صعوبة ويزيد من حالة عدم الاستقرار في الأسواق.

دوامة:
وبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، يجد المواطن السوداني نفسه منغمِساً في دوامة من الأسئلة ، إلى متى يستطيع تحمل كلفة حرب دفع فيها الأرواح والدماء والنزوح والفقد، وإلى متى يصمد أمام معركة تدهور قيمة الجنيه؟ وكيف يواجه انفلات الأسعار؟ وهل سيجد غداً لقمةً تسد رمقه ورمق أسرته؟،
ويرى مراقبون أن هذا الشعب الذي اصطفَّ خلف قواته المسلحة، والتفَّ حول قيادة الدولة في معركة اعتبرها معركة وطن، لم يتردد في تقديم التضحيات، ولذلك فإن حمايته من الانهيار المعيشي ينبغي أن تكون جزءًا من حماية الدولة وتماسك المجتمع، ويؤكد المراقبون أن صبر الشعب على تداعيات الحرب لا يعني قبول استمرار الاختلالات الاقتصادية من دون تفسير أو معالجة، بل يفرض على الدولة أن تكون أكثر حضوراً ووضوحاً في إدارة هذه الأزمة.

أزمة ثقة:
والواقع أن خطورة تراجع الجنيه، لا تكمن في سعر الصرف وحده، وإنما في انعكاساته المباشرة على الأسواق والمعيشة، إذ يصبح كل شيء عرضة لإعادة التسعير، وتتآكل الدخول والمدخرات، ويصعب على المنتج والتاجر والمستهلك التخطيط ليومه التالي، وهنا تبدو الحاجة ملحة إلى معالجة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، وإنما تشمل ضبط الموارد والنقد الأجنبي، ودعم الإنتاج، ومعالجة الاختلالات التي تغذي ارتفاع الأسعار، وتعزيز الثقة في الجهاز المصرفي والسوق.
مطالب مشروعة
وفي حديثهم لـ«الكرامة»، طالب مواطنون الحكومة والأجهزة المختصة بالانتقال من مرحلة تشكيل اللجان إلى إجراءات عملية وحاسمة تعيد الاستقرار إلى سوق النقد وتحمي المواطنين من تداعيات الانفلات الاقتصادي.
وقال أحد المواطنين إن وقوف الدولة مكتوفة الأيدي أمام الانهيار المستمر للجنيه السوداني أمام الدولار أمر يثير الانزعاج، مشيراً إلى أن تشكيل اللجان وحده لن يحل المشكلة، وأن المطلوب تدخل حكومي حاسم ينهي الأزمة.
واعتبر مواطن آخر أن ما يجري أزمة مفتعلة، ورأى أنها تمثل حرباً أخرى تُشن ضد الدولة، مطالباً الحكومة بالوضوح والشفافية وإطلاع المواطنين على حقيقة ما يجري بشكل رسمي.
وطالبت مواطنة ثالثة الحكومة وأجهزتها المختصة بالتعامل بحزم مع تجار العملة، داعية إلى تطبيق القانون وإجراء محاكمات علنية لمن تثبت إدانتهم، حتى تكون الإجراءات رادعة للآخرين.
وتعكس هذه الإفادات انتقال الشكوى الشعبية من مجرد رصد الغلاء إلى المطالبة بالتفسير والشفافية والإجراء، مع اختلاف المواطنين في تفسير أسباب الأزمة وطريقة التعامل معها، وهو ما يجعل توضيح الحقائق الرسمية أمراً مهماً لاستعادة الثقة.

معرفة الحقيقة:
وإذا كانت الضغوط التي يواجهها الجنيه والأسواق ناتجة عن تداعيات الحرب وما صاحبها من تراجع في الإنتاج وتعطل حركة التجارة والإمداد وشح الموارد، فمن حق المواطن أن يعرف ذلك بوضوح، أما إذا كانت هناك مضاربات منظمة أو ممارسات غير مشروعة أو جهات تستغل ظروف الحرب للضغط على سوق النقد والسلع، فإن مواجهتها ينبغي أن تتم بالقانون والأدلة، مع كشف المسؤوليات ومحاسبة من تثبت إدانته، فالمواطن يستطيع أن يتحمل قسوة الطريق حين يعرف أسبابه، لكنه يصعب عليه تحمل الغموض وهو يرى دخله ومدخراته وقدرته على شراء احتياجاته تتراجع يوماً بعد آخر.

معركة لا تحتمل التأجيل:
وفي ظل شح الموارد وضغوط الحرب، تصبح مكافحة الفساد أكثر إلحاحاً. وما يتردد في الشارع من شبهات لا ينبغي التعامل معه باعتباره حقائق مكتملة، وإنما إخضاعه للتحقيق والتدقيق عبر المؤسسات المختصة، فالحرب لا ينبغي أن تكون سبباً لتعطيل الرقابة على المال العام، بل تستدعي إحكامها، ومراجعة الإيرادات والمصروفات والعقود والمشتريات والتعاملات المالية، وإذا أثبتت التحقيقات وجود فساد أو استغلال للوظيفة العامة أو المال العام، فإن المطلوب تطبيق القانون بلا استثناء واجتثاث مكامن الفساد من جذورها.

خاتمة مهمة:
على كلٍّ.. فإن المواطن لا يطلب المستحيل، فهو يدرك قسوة الحرب وتداعياتها على الاقتصاد، لكنه يريد أن يعرف الحقيقة، ويرى إجراءات واضحة، ويشعر بأن الدولة تقف إلى جانبه في معركة المعيشة كما وقف هو إلى جانبها في معركة الوطن، فإذا كانت البلاد تواجه حرباً اقتصادية أخرى، وإذا كان هناك من يعبث بالعملة والأسواق، فليُكشف ويُحاسب بالقانون، وإذا ثبت وجود فساد، فلتكن مواجهته بلا تردد، فالمواطن الذي صبر على الحرب، وقدم الروح والدم والمال وتحمل مرارة النزوح، لا ينبغي أن يجد نفسه وحيداً في مواجهة الغلاء وانهيار الجنيه وضيق المعيشة، فحماية المواطن هي حماية لثقة السودانيين في دولتهم، ولتماسك المجتمع، ولقدرة البلاد على عبور هذه المرحلة الصعبة نحو الاستقرار والتعافي وإعادة الإعمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى