ادعاءات روّجت لها غرف الميليشيا وتأسيس وصمود،،
جدل التأشيرة.. مزاعم غياب الشرعية..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
ادعت غرف تابعة لميليشيا الدعم السريع وتحالف تأسيس وصمود أن رفض الولايات المتحدة الأمريكية منح رئيس مجلس السيادة، فريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تأشيرة دخول إلى أراضيها للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يعني عدم اعتراف واشنطن بشرعية البرهان ومؤسسات الدولة السودانية، في محاولة لتقديم القرار الأمريكي باعتباره إعلاناً سياسياً بسقوط شرعية السلطة القائمة، متجاهلة أن مشاركة البرهان في الجمعية العامة جاءت في إطار أعمال الأمم المتحدة، وأن دعوته للمشاركة لم تصدر من الحكومة الأمريكية، فضلاً عن أن البرهان سبق أن خاطب الجمعية العامة ومثّل السودان فيها بعد اندلاع الحرب.
دعوة أممية:
والواقع إن هنالك الكثير من الخلط بين دعوة الأمم المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة وبين التأشيرة التي تصدرها الولايات المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة لمقر المنظمة الدولية في نيويورك، فرئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، فريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لم يكن متوجهاً إلى الولايات المتحدة استجابةً لدعوة من الحكومة الأمريكية، وإنما كان مقرراً أن يمثل السودان في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ويلقي كلمة بلاده أمام المجتمع الدولي، وبالتالي فإن الأمم المتحدة هي صاحبة المنصة، والولايات المتحدة هي الدولة المضيفة للمقر، والجمعية العامة هي الهيئة التداولية والتقريرية والتمثيلية الرئيسية للأمم المتحدة، وتمثل فيها جميع الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة، لذلك فإن رفض التأشيرة الأمريكية لا يساوي تلقائياً إلغاء دعوة الأمم المتحدة، كما أن منع مسؤول سوداني من دخول الأراضي الأمريكية لا يعني، أن المنظمة الدولية سحبت منه صفة تمثيل السودان.
مفارقة:
ولعل المفارقة اللافتة في مزاعم غرف ميليشيا الدعم السريع وداعميها من تحالف تأسيس وصمود، هي تحويل قرار الدولة المضيفة بشأن دخول أراضيها، إلى دليل على أن المنظمة الدولية نفسها لم تعد تعترف بممثل الدولة، وتناست هذه الغرف عن قصد إنها ليست المرة التي يظهر فيها رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد خاطب البرهان نفسه أعمال الجمعية العامة مرتين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م، ومثّل السودان في المحفل الأممي، الأمر الذي يجعل اختزال العلاقة بين البرهان والأمم المتحدة في التأشيرة الحالية قراءة مبتسرة، وغير ناضجة، ويذهب مراقبون أبعد من ذلك ويرون أنه في حال اتخاذ الإدارة الأمريكية موقفاً سياسياً شديد الصرامة من البرهان أو من السلطة القائمة، فإن ذلك لا يعني تلقائياً أن القرار يغيّر وضع السودان كدولة عضو في الأمم المتحدة، بل إن الأهم من ذلك كله، أن تأشيرة الدخول للولايات المتحدة ليست وثيقة اعتراف سياسي، بقدر ما تمثل أداةً للسماح بدخول أراضي الدولة المضيفة، بفيما يبقى الاعتراف بالحكومات والتمثيل الدولي مرهوناً بتعقيدات كبيرة، تحكمها المواقف الدبلوماسية والقرارات الدولية والسياقات السياسية والقانونية.
تجاهل متعمَّد:
لقد ركزت الغرف التابعة لميليشيا الدعم السريع وتحالف تأسيس وصمود، على منع الإدارة الأمريكية البرهان من دخول أراضيها، ولكنها تعمدت تجاهل سبب رفض منح التأشيرة والمتمثل في رفض رئيس مجلس السيادة قبول الابتزاز والمساومة بالموافقة على المقترح الأمريكي للهدنة ووقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، وفي المقابل استندت غرف الميليشيا وصمود وتأسيس إلى وجود رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في نيويورك، في محاولة لتقديم المشهد وكأنه اعتراف أمريكي بشرعية حمدوك، وينتقد مراقبون هذا الاستنتاج باعتبار أن وجود شخصية سياسية سودانية في نيويورك، أو مشاركتها في فعاليات مرتبطة بأعمال الجمعية العامة، لا يعني تلقائياً أن الولايات المتحدة اعترفت بها ممثلاً رسمياً للدولة السودانية، متسائلين عن المعايير التي تتعامل بها الإدارة الأمريكية مع ممثلي الدول التي تختلف معها سياسياً، باعتبار أن الولايات المتحدة بوصفها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، ترتبط بالتزامات تجاه المنظمة الدولية بشأن وصول الوفود ومشاركتها في أعمالها، وقد ظلت العلاقة بين الأمم المتحدة والدولة المضيفة محل نقاش داخل المنظمة، بما في ذلك مسائل التأشيرات وقيود السفر المفروضة على بعض الوفود، وتبقى المخاوف حاضرة من أن تتحول نيويورك منصة للمعارضات، محذرين من أنه في حال أصبح حضور المعارضين أو القوى المناهضة للحكومات في نيويورك دليلاً على اعتراف واشنطن بهم، بينما يصبح منع المسؤولين الرسميين دليلاً على إسقاط شرعيتهم، فإن مقر الأمم المتحدة يمكن أن يتحول من منصة للدول إلى ساحة صراع على من يتحدث باسم الدول.
مفعول عكسي:
لقد أحدثت أزمة التأشيرة حالة من التعاطف والالتفاف حول البرهان في قطاعات من الشارع والنخب السودانية التي كان لها ردود أفعال غاضبة على القرار، فيما وصف بعضهم ربط التأشيرة بالهدنة بأنه ضغط سياسي، رأى آخرون أن منع البرهان من الوصول إلى نيويورك زاد من الالتفاف الشعبي حوله، وهنا تكمن المفارقة السياسية، فإذا كانت واشنطن قد أرادت استخدام التأشيرة كورقة ضغط لدفع البرهان إلى قبول هدنة مدتها 90 يوماً، فإن الأثر السياسي داخل السودان، سار في اتجاه مختلف عندما تحولت القضية إلى نقاش حول السيادة وحدود الضغط الخارجي، ومن هنا اكتسب موقف البرهان الرافض للهدنة بعداً يتجاوز شخصه إلى شعار رفض المساومة على القرار السوداني، وبالتالي فإن الرسالة التي وصلت إلى الإدارة الأمريكية مفادها: أن واشنطن لا تتعامل فقط مع قيادة سياسية أو عسكرية، وإنما مع رأي عام سوداني شديد الحساسية تجاه السيادة والتدخلات الخارجية، خصوصاً بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب وما رافقها من اتهامات متبادلة بشأن التدخل الإقليمي والدولي، وبالتالي، فإن أي ضغط على القيادة السودانية يمكن أن ينتج أثراً معاكساً إذا جرى تفسيره شعبياً باعتباره ضغطاً على الدولة نفسها.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن محاولة تقديم رفض التأشيرة باعتباره «اعترافاً أمريكياً بشرعية حمدوك وسحباً للاعتراف بالبرهان» تبدو اختزالاً شديداً لمشهد أكثر تعقيداً، فإذا أصبحت تأشيرة الدخول إلى نيويورك أداة ضغط لانتزاع موقف من حكومة دولة عضو في الأمم المتحدة، فما الذي يمنع أن تتحول هذه السابقة إلى نموذج يُستخدم مع حكومات أخرى تختلف واشنطن معها؟ سؤال يكشف أن معركة السودان لم تعد فقط على الأرض، فقد انتقلت بعض جبهاتها إلى أروقة الأمم المتحدة، حيث تتصارع الأطراف على شيء لا يقل أهمية عن الميدان،من يملك لسان التحدث باسم السودان.






