مقالات وتقارير

دخلت سوق الوقود.. هل بدأت الحكومة معركة إنقاذ الجنيه؟..

فوري نيوز

حدود المنطق..

 

إسماعيل جبريل تيسو..

وأخيراً قررت حكومة الأمل الدخول بصورة مباشرة في استيراد المشتقات البترولية، على أن تتولى الجهات المختصة في وزارات المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي تنفيذ القرار ومتابعة آلياته، ورغم أن هذه الخطوة التي تعتبر واحدة من أهم القرارات الاقتصادية التي صدرت خلال الفترة الأخيرة، قد جاءت بعد فترة طويلة من الاختلالات التي ضربت سوق الوقود وأسواق النقد الأجنبي، إلا أن القاعدة التي لا خلاف حولها تقول (إن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً).

لقد عاش المواطن السوداني خلال الأشهر الماضية واقعاً اقتصادياً بالغ القسوة، حيث ظل الارتفاع الجنوني في أسعار العملات الأجنبية يلقي بظلاله الثقيلة على كل تفاصيل الحياة اليومية، حيث تحول انفلات الدولار من قضية تخص التجار والمستوردين، إلى معاناة يومية للمواطن الذي وجد نفسه عاجزاً عن مجاراة موجات الغلاء المتلاحقة التي طالت الغذاء والدواء والخدمات والنقل وسائر متطلبات الحياة، ولذلك فإن أي خطوة جادة تستهدف معالجة الاختلالات في سوق الوقود والحد من الطلب المتزايد على العملات الأجنبية تستحق الترحيب، خاصة إذا كانت جزءاً من رؤية متكاملة لاستعادة التوازن الاقتصادي وكبح جماح المضاربات التي أرهقت كاهل البلاد والعباد.

وفي المقابل، فإن أهمية القرار لا تنبع فقط من أبعاده الاقتصادية، وإنما أيضاً من رسائله السياسية والاجتماعية، فالحكومات الناجحة هي تلك التي تظل قريبة من نبض الشارع وهموم المواطنين، وتتعامل مع قضايا معاش الناس باعتبارها أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل، وقد ظلت حكومة الأمل خلال الفترة الماضية تدعو المواطنين من اللاجئين والنازحين إلى العودة إلى الخرطوم واستعادة الحياة الطبيعية في العاصمة، وهي دعوة لا يمكن أن تكتمل مقومات نجاحها ما لم تترافق مع إجراءات حقيقية تخفف أعباء المعيشة وتوفر الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والخدمي، ذلك أن المواطن الذي يعود إلى منزله يحتاج إلى الوقود والكهرباء والسلع الأساسية بأسعار معقولة، ويحتاج قبل ذلك إلى الشعور بأن الدولة حاضرة لمعالجة مشكلاته اليومية لا الاكتفاء بإطلاق الوعود والشعارات.

غير أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهوناً بقدرة الحكومة على المضي أبعد من مجرد التدخل في سوق المشتقات البترولية، فالمعركة الحقيقية تقتضي دعماً مباشراً للإنتاج الوطني والسلع الاستراتيجية، وتشديد الرقابة على الأسواق، والضرب بيد من حديد على شبكات المضاربة والاحتكار التي تستفيد من الأزمات وتحقق أرباحاً طائلة على حساب المواطن البسيط. كما أن المطلوب هو الابتعاد عن السياسات التي تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى زيادة الأعباء المعيشية، وفي مقدمتها الإجراءات التي تنعكس على ارتفاع أسعار السلع والخدمات مثل زيادة الرسوم والجبايات أو رفع الدولار الجمركي دون دراسة دقيقة لتأثيراتها السريعة على الأسواق، فالتعافي الاقتصادي لا يتحقق عبر تحميل المواطن مزيداً من الأعباء، وإنما عبر توسيع دائرة الإنتاج وتحريك عجلة الاقتصاد الحقيقي.

ويبقى السؤال الأهم: هل تملك حكومة الأمل بقيادة دكتور كامل إدريس، الأدوات اللازمة لتحقيق استقرار مستدام في قيمة الجنيه السوداني؟ الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على مدى استعدادها للمضي في إصلاحات اقتصادية جوهرية تتجاوز الحلول الإسعافية والمؤقتة، فاستقرار سعر الصرف يحتاج إلى إعادة هيكلة المؤسسات المالية والمصرفية، وتبني سياسات نقدية متوازنة تكبح جماع التضخم وتعيد الثقة إلى الجهاز المصرفي، بالتوازي مع دعم القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية والحيوانية باعتبارها المصدر الحقيقي للنقد الأجنبي.

كما أن المرحلة المقبلة تتطلب إطلاق مشروعات واسعة لإعادة الإعمار تسهم في دوران عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل وتحريك الأسواق، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية عبر توفير بيئة أعمال مستقرة ومحفزة وخالية من الفساد والتعقيدات البيروقراطية، ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز التعاون مع المجتمع الدولي لضمان تدفق المساعدات المالية والتحويلات من الخارج ودعم الاحتياطي النقدي للدولة.

إن قرار الحكومة بدخول سوق المشتقات البترولية قد يمثل بداية صحيحة على طريق طويل وشاق، لكنه لن يكون كافياً بمفرده ما لم يتحول إلى جزء من مشروع اقتصادي متكامل يستهدف استعادة قيمة الجنيه السوداني وإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس الإنتاج والاستثمار والاستقرار، فالمواطن السوداني لم يعد ينتظر القرارات بقدر ما ينتظر نتائجها، ولم يعد يعنيه حجم التصريحات بقدر ما يعنيه أن يرى أثراً ملموساً ينعكس على أسعار السلع واستقرار الأسواق وتحسن مستوى المعيشة، وعندها فقط يمكن القول إن معركة إنقاذ الجنيه قد بدأت بالفعل، (فعلاً، لا قولاً).

 

 

#فوري نيوز #الوقود #الحكومة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى