
(قصتي مع أسوأ كارثة في العالم)؛ عنوان لسردية ذاتية خطّها الصحفي السوداني محمود الشين، يقع الكتاب في أكثر من (300) صفحة، وهو بعد سرد سلس ورشيق وشيّق، مبنيّ على استراتيجية كتابة موجهة تتقصّى الخبر الصحفي، وتقبض على أركانه في احترافية باصرة تخفي وراءها كمّا هائلا من المعلومات والمعرفة ” في ذات صباح شتوي، أقلعت بنا طائرة الخطوط الأفريقية من مطار الخرطوم في طريقنا للعاصمة الليبية طرابلس – كعادتي صديقي (الكتاب) – يرافقني حيث كنت – أليس هو خير جليس؟”هذا هو المدخل، وهو خبر عادي في جوهره ولكنّ الكاتب أراد أن يضع المتلقي في أجواء هذا المشهد الجميل بعيدا عن صرامة الأخبار، وبعد هذا التوصيف الجميل يتسرب الخبر. ” كنا في الواقع ضمن مجموعة صحافيين وجهت لنا الدعوة للمشاركة في ملتقيات طرابلس (1، 2) والخاصة بتقريب وجهات النظر بين حركات الكفاح المسلح في إقليم دارفور والحكومة السودانية، وهي بالطبع برعاية ليبية، حيث كان القائد معمر القذافي وعدد من الشركاء ينشطون في هذا الملف المعقد تارة تحت مظلة الإتحاد الافريقي وأخرى عبر فضاء تجمع دول الساحل والصحراء، المعروف اختصارا (س ص)”. فيكتمل الخبر في مشهد سردي قد اُشرك فيه المتلقي من خلال هذا التصوير الجميل.
الكتاب –في تقديري- يعد فتحاً في كتابة التاريخ المعاصر للاحداث السياسية في السودان من خلال قلم صحفي في الاساس، وهي كتابة أدبية جمالية للخبر ولرصد الوقائع كما في كتابة التاريخ، وهنا لن يجد المتلقي مساحة ليفلت من تتابع الحكي في لغة آسرة لا تخلو من شاعرية ” إن أمطار الشمال الأفريقي تهطل على غير موعد وبلا رعود أو سحب ماطرة تسد الأفق على غير ما هو عليه من روعة المشهد في سهول السودان الممتدة . وهو مشهد يجعلك فخور بوطنك في الديسابورا البعيدة”.
تجد في الكتاب اهتماماً خاصة بالاقتباسات وهو ما يعكس ثقافة الكاتب ويحدد في الوقت ذاته مسؤولية الكتابة وعدتها. عديد الأسماء لكتاب وشعراء وروائيين، وسياسيين سوف تحضر في هذا الكتاب تتقدمها أعمالها الخالدة: “تستهويني تلك الأمكنة.. المكتبات، دور النشر وبيئة الوراقين ورائحة الورق المنبعثة من بين الحروف. يقول الدكتور مصطفى محمود في كتابه – حكايات مسافر – (إن من أدلة الرخاء في بلد، أن تجد زحاما شديداً في المكتبات وطوابير على أبواب المسارح، لأن تلك أشياء لا يفكر فيها الناس إلا بعد أن يشبعوا)!.
ستجد أمثالا شعبية وغناء الحقيبة، والغناء الحديث، وكلمات الحكامات “فشرائح مثل الحكامات، السنجاكة، المواقو، البوشانيين والهدايين، لم يخطروا ببال الذين خططوا للملتقى، وبإمكان أي واحد من هؤلاء وبمجرد تقديم منتج أدبي تحريضي أن ينسف كل قيم التعايش السلمي ومواثيق مؤتمرات المثقفاتية والمستنيرين وحتى أمراء الحرب أنفسهم.” وهو يلفت الانتباه الى مكوّن مهم كان يمكن الاهتداء به في مسيرة الحل السياسي، ويؤشر الى دور الأدب –والشعر خصوصا في بناء ثقافة السلام أو الحرب.
استخدم الكاتب حيلة سردية مهمة خاصة بمجال الرواية وتقنياتها، وهي حبك قصة داخل فضاء السرد تحكمها حبكة تنمو مع السرد وتشوق القارئ، ويكون في متابعة لها وتساؤل عن مصيرها، والكاتب يستغل هذا الشغف ويقدم معلوماته وأخباره فيتلقاها القارئ من غير ملل بل يحتفل بتلقيها. وهي هنا قصة مبروك رجل المخابرات الليبية المرافق للصحفيين. “غير أنّ مبروك ضابط المخابرات الليبي والمسؤول عن تحركاتنا داخل البلاد، تعامل معنا كما لو أننا (سياح) نريد الاستمتاع بشتاء طرابلس شديد البرودة”.
وثمة رسائل عديدة يبعثها الكاتب تحتوي عصارة تجاربه لا تفوت على فطنة القارئ: “في بلد مثل السودان الذي يعش على الدوام معضلة إدارية – لا يُحاسب فيه مقصر، ولن يُشكر من يؤدي الواجب على نحو جيد وفعال.. ومن قبل كتب الرائع عاطف خيري – صاحب جالوص:
بلادٌ كلما ابتسمت
حطّ على شفتيها الذبابُ.
كتاب جدير بالقراءة وهو –بلا شك – إضافة للمكتبة السودانية وهو تطور مهم في مسار الكتابة السودانية الصحفية، خاصة في ظل توافر المعلومات في الشبكة العنكبوتية، وهو توثيق مهم أيضا لفترة تاريخية هي تاريخ السودان الحديث، والكاتب شاهد على العصر في هذا السفر.
بقي أن أشكر الأستاذ محمود الشين لإتاحته لي هذه المساحة شريكاً في هذا العمل من خلال هذه المقدمة؛ وأن تكتب مقدمة لكتاب –لمن يعرف- هي مهمة عسيرة ومسؤولية كبيرة. وأرجو أن يجد القارئ دروبا للتلقي خارج تخطيطي هذا فهي قراءتي، ولكم قراءتكم.
كامل محبتي
د. إسحق علي محمد/ جامعة المغتربين






