Uncategorizedأخبارمقالات وتقارير

سارة الطيب تكتب: كُبي قهوه على شارع النيل.. خطابٌ لم تقُله المنابر

فوري نيوز

سارة الطيب تكتب:

​يُقال إن أقصر الطرق إلى قلب الإنسان هو الصدق، وأقصر الطرق إلى طمأنينة الشعوب هي “التفاصيل الصغيرة”.

في زحمة المانشيتات العريضة، وصوت الرصاص، وبيانات القلق، تبرز أحياناً صورة واحدة تشبه “استراحة محارب” أو “نسمة باردة” في هجير الصيف، لتقول ما عجزت عنه المجلدات.
​مشهد “كُبي الجبنة” على ضفاف النيل لم يكن مجرد بروتوكول سياسي، بل كان قصيدة إنسانية كُتبت برائحة البُن والهبهان (الهيل) والجنزبيل.. والكيف جبنة…

أحياناً، لا تحتاج الأوطان إلى خطابات طويلة… يكفي “كُبي قهوة” في الوقت الصحيح.

وزيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى شارع النيل لم تكن مجرد جولة عابرة، ولا لحظة عفوية لتناول فنجان قهوة… بل كانت رسالة عميقة، مختصرة، لكنها مليئة بالدلالات.
في مشهد بسيط، حين قال “كبي قهوة” أو “كبي جبنة” على ضفاف النيل، بدأ وكأنه يخاطب وجدان الشعب السوداني أكثر من مخاطبته عبر المنابر الرسمية.

لم يكن الحديث كثيراً، لكن الفعل نفسه كان أبلغ من كل الخطب.
​في الثقافة السودانية، “الجبنة” ليست مجرد مشروب للتنبيه، هي طقس اجتماعي كامل. هي اللحظة التي تذوب فيها الفوارق الطبقية، ويجلس فيها الغريب بجانب القريب.

عندما يختار القائد أن يجلس في ذات المكان الذي يجلس فيه البائع ، والطالب، والعامل والغني ورجل المال والأعمال والمهندس والطبيب ، فهو لا يقدم رسالة أمنية فحسب، بل يقدم رسالة “ونس”.

والونس في لغتنا هو الأمان، هو أن تشعر بأنك لست وحدك، وأن من يقود السفينة يشاركك الجلوس على ذات الرصيف الذي تعب من وقع الخطى المتعبة.

و​النيل الشاهد والملاذ

​لطالما كان شارع النيل هو “ديوان السودانيين” الكبير. هناك، حيث يلتقي النيلان، تلتقي الأرواح لتنفض غبار اليوم.

عودة الحياة لهذا الشارع عبر فنجان قهوة، هي بمثابة إعلان بعودة الروح للجسد.

هي محاولة لترميم الذاكرة التي خدشتها الحرب، واستبدال صور الخوف بصورة رجل بهدوء وبضحكة تفرح القلب ، يطلب قهوته كما يطلبها أي “زول” بسيط، دون حواجز زجاجية أو جدران أسمنتية.

فالقهوة تُصنع على نار هادئة، وتحتاج وقتاً لتخلص، تماماً كالسلام والاستقرار.

“كُبي القهوة” في هذا التوقيت هو دعوة للاستراحة من الركض خلف القلق، وهو اشارة إلى أن “الكيف” الذي فُقِد في سنوات الشدة، بدأ يعود ليعدل مزاج المدينة المنهكة.

هذه الزيارة تحمل في طياتها عدة رسائل واضحة وانها وصلت بدون ميكرفون…

أولاً، رسالة طمأنينة:

أن الحياة بدأت تعود إلى طبيعتها، وأن الأماكن التي كانت شاهدة على القلق والخوف، يمكن أن تعود كما كانت مليئة بالحياة، بالناس، وبالدفء السوداني المعروف.

ثانياً، رسالة قرب:

حين يختار القائد أن يجلس وسط الناس، بلا حواجز، ويتشارك معهم تفاصيلهم اليومية البسيطة، فهو يقول: “أنا منكم، وأعيش معكم نفس اللحظة”.

ثالثاً، رسالة ثقة:

الثقة في استقرار الأوضاع، وفي قدرة الدولة على استعادة الأمن، وفي أن القادم أفضل مهما اشتدت الظروف.

رابعاً، رسالة رمزية:

“كُبي القهوة” هنا ليس مجرد مشروب، بل هو رمز للحياة السودانية، للبساطة، للونس، وللروح التي لا تنكسر.

كأنها دعوة غير مباشرة للناس أن يعودوا، أن يحيوا تفاصيلهم، وأن يتمسكوا بالأمل.
في النهاية، ما فعله البرهان في شارع النيل هو خطاب صامت… لكنه وصل.
رسالة تقول إن السودان، رغم الجراح، ما زال قادراً على النهوض، وأن الحياة ستنتصر، ولو بفنجان قهوة على ضفاف النيل.
وظهور الفريق أول عبد الفتاح البرهان في شارع النيل كان مشهداً بسيطاً جداً، لكنه حمل معنى كبير. بهدوء، بلا تكلف، كأي مواطن يبحث عن لحظة عادية وسط أيام ليست عادية.
فنجان القهوة لم يكن مجرد قهوة…
كان رسالة تقول: “الدنيا لسة بخير”.
والجلوس في شارع النيل لم يكن صدفة…
كان إعلاناً أن المكان الذي خاف الناس عليه، عاد يحتضنهم من جديد.
في تلك اللحظة، لم يكن هناك قائد وشعب…
كان هناك إنسان يطمئن إنسان.
رسالة هادئة، لكنها عميقة:
أن الحياة، مهما توقفت قليلاً… ستعود

​في النهاية، الأوطان لا تُبنى فقط بالقرارات السياسية، بل تُبنى بالإحساس، بالحب، بالأمان وبالانتماء.

عندما يشعر المواطن أن قائده يشاركه “رصيف الأمل” وفنجان القهوة، يولد نوع من الثقة العفوية التي لا تحتاج لمترجم.
​لقد كان ذلك الفنجان “أبلغ خطاب”، لأنه خاطب الوجدان قبل العقل، وقال للناس بلسان الحال:
“اجلسوا، اطمئنوا، واشربوا قهوتكم.. فالسودان لا يزال بخير، والنيل لا يزال يجري، والحياة مهما تعثرت.. ستستمر.”

 

 

#سارة الطيب #البرهان #شارع النيل #فنجان قهوه #فوري نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى