
سارة الطيب تكتب سلسلة مقالات بعنوان (صمود
المرأة السودانية… في وطنٍ ينهار
(1)
كيف حملت النساء أعباء الدولة بعد أن أسقطتها الحرب؟
قبل أن تستيقظ المدن السودانية على أصوات المعارك، وقبل أن تبدأ نشرات الأخبار في سرد أرقام الضحايا والنازحين، تبدأ معركة أخرى أكثر صمتاً وأقل ظهوراً أمام الكاميرات.
هناك امرأة سودانية تستيقظ قبل الجميع، تفكر في الماء قبل القهوة، وفي الطعام قبل راحتها، وفي خوف أطفالها قبل خوفها الشخصي.
تخرج في رحلة البحث عن أساسيات الحياة، تحمل همّ الأسرة، وتحاول أن تصنع من واقع محطم مساحة صغيرة يمكن أن تستمر فيها الحياة.
لا تحمل سلاحاً، لكنها تخوض معركة يومية لا تقل قسوة عن معارك الميدان؛ معركة البقاء، والحفاظ على الأسرة، ومنح الأطفال إحساساً بالأمان في وطن فقد كثيراً من مقومات الاستقرار.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تغيرت صورة المرأة السودانية بصورة جذرية.
فلم تعد مسؤولياتها مقتصرة على الأدوار الاجتماعية التقليدية، بل وجدت نفسها في مواجهة انهيار اقتصادي وخدمي وإنساني واسع، جعلها تتحمل أعباء كانت في الأصل من مسؤوليات مؤسسات الدولة والمجتمع.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير عن تدمير البنية التحتية، وتعطل المؤسسات، وانهيار الخدمات، تظهر حقيقة أخرى لا تقل أهمية: أن هناك مؤسسة واحدة ظلت تعمل رغم كل شيء، وهي المرأة السودانية.
لقد أصبحت المرأة في آلاف الأسر هي المعيل الرئيسي، بعد فقدان كثير من الرجال وظائفهم أو مصادر دخلهم، أو نتيجة النزوح والقتل والإصابات. وفي ظل انهيار الاقتصاد الرسمي، توسعت مشاركة النساء في الاقتصاد غير الرسمي، فأصبحن يدِرن أنشطة صغيرة لتوفير الدخل، من الأسواق الشعبية، وبيع الأغذية، والمشروعات المنزلية، والمطابخ الجماعية، وغيرها من الأعمال التي أصبحت شريان حياة لكثير من الأسر.
لكن ما تقوم به المرأة السودانية لا يمكن اختزاله في الجانب الاقتصادي فقط؛ فهي لم تتحول إلى مصدر دخل فحسب، بل أصبحت تقوم بوظائف متعددة في وقت واحد: فهي الأم التي ترعى الأطفال، والمعلمة التي تتابع تعليمهم، والممرضة التي تعالجهم عند غياب الخدمات الصحية، والداعم النفسي الذي يحاول أن يمنح الأسرة شعوراً بالأمان وسط الخوف والقلق.
وتكشف الأرقام حجم الكارثة الإنسانية التي تواجهها البلاد.
فالسودان يعيش واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج عشرات الملايين إلى المساعدات الإنسانية، بينما كانت النساء والأطفال الأكثر تأثراً بالنزاع، سواء بسبب النزوح، أو فقدان مصادر الدخل، أو تراجع الخدمات الأساسية.
لكن الأرقام، رغم أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تصف حجم العبء اليومي الذي تحمله المرأة.
فالحرب لا تظهر فقط في ساحات القتال، بل تظهر أيضاً في تفاصيل الحياة الصغيرة التي أصبحت معارك يومية.
الماء… المهمة التي سرقت وقت النساء
ربما لا توجد صورة تختصر معاناة المرأة السودانية أكثر من رحلة البحث عن المياه. ففي مناطق كثيرة، أصبح الحصول على مياه الشرب النظيفة مهمة شاقة تستنزف الساعات والجهد، وغالباً ما تتحمل النساء والفتيات هذا العبء.
الماء الذي كان يدخل إلى المنازل عبر شبكات الخدمة العامة أصبح يحتاج إلى رحلة طويلة، وانتظار، وتدبير، ومخاطرة أحياناً. وهذه الساعات التي تضيع في البحث عن الماء ليست مجرد وقت ضائع، بل هي وقت يُنتزع من التعليم، والعمل، والراحة، ورعاية الأطفال.
إن الفقر لا يعني فقط قلة المال، بل يعني أيضاً فقدان الوقت.
والمرأة السودانية تعيش اليوم شكلاً قاسياً من “الفقر الزمني”، حيث تستهلك الحرب ساعات يومها في توفير أبسط مقومات الحياة.
الكهرباء… أزمة تتجاوز الظلام
في كثير من الأحيان يُنظر إلى انقطاع الكهرباء باعتباره مشكلة خدمية، لكنه بالنسبة للمرأة السودانية أصبح أزمة يومية متشعبة.
فغياب الكهرباء يعني تعطل الثلاجات، وصعوبة حفظ الطعام والأدوية، واضطرار الأسر إلى شراء احتياجاتها بصورة يومية في ظل ارتفاع الأسعار.
ويعني أيضاً صعوبة إعداد الطعام في ظروف مناسبة، خصوصاً مع درجات الحرارة المرتفعة التي يشهدها السودان.
كما أن الحرارة العالية، مع غياب وسائل التبريد، تشكل ضغطاً إضافياً على صحة النساء والأطفال وكبار السن، وتزيد من مخاطر الإجهاد الحراري والجفاف، خصوصاً في مناطق النزوح التي تفتقر إلى الظروف الصحية المناسبة.
لكن أثر الكهرباء لا يتوقف هنا؛ فهي مرتبطة أيضاً بالتعليم والصحة والأمان.
فالطفل الذي يحاول الدراسة ليلاً يحتاج إلى إنارة، والمريض يحتاج إلى وسائل تبريد وحفظ للدواء، والأسرة تحتاج إلى بيئة يمكن أن توفر الحد الأدنى من الاستقرار.
وهكذا أصبحت المرأة مطالبة بإدارة منزل في ظروف لا تتوافر فيها أبسط مقومات الحياة.
#فوري نيوز# سارة الطيب






