القاهره: فوري نيوز
سيف الدين حسن يكتب:
المدن التي تسكن أرواحنا
قراءة فى أثر المكان
ليست المدن مجرد خرائط من الإسفلت والحجر، بل هي كائنات حية، تربي سكانها وتمنحهم طباعًا خاصة لا تمحوها السنون. يدخلها المرء بشخصية ويخرج منها بشخصية أخرى كما لو أن جدرانها تمرّر شيئاً خفياً يلتصق بالروح ولا يغادرها.
هذا هو التأثير الجوهري للمدن عموما على الشخصية والسلوك الإنساني، وهو ما يتجلى بوضوح في جدلية المدن النيلية.http://ولحياة
فى تناصات الحياة الرحلة دائما ما تبدأ من الجذور
وقبل أن تبتلع العاصمة روحاً أو أن يشدها إيقاع المتروبول العاصف، يبقى هناك نبع أول لا يمكن تجاهل أثره.. قرى الريف السوداني. هذه القرى المنسية على ضفاف النيل أو في عمق السهول هي مختبر الإنسان السوداني الأول. هنا لا يتعلم المرء البطء وحسب، بل يتعلم الاستسلام الجميل لإيقاع الطبيعة والسكينة والمسؤولية والحنين وعشق الأرض حيث يتشكل اليقين بأن الجهد المباشر يقود للنتيجة .
وتصبح (البركة في القليل) هي القانون الأعظم القرية تمنح النفس المديدة التي تستطيع أن تنتظر دون قلق حيث الترابط الاجتماعي الذي لا يعرف التعقيد.
وربما انا المولود هناك عند تلك الضفة كان تأثير ذلك عميق لدى ولكثيرين ايضا كان الحنين والتشكل المختلف شيئا مغابرا فى نظرات الحياة.
ومع المغادرة نحو المركز تستقبلك الخرطوم المدينة التي تعلمك البطء هي مدينة تعيش على إيقاع النيلين الهادئ، فتجبرك دون أن تنتبه على أن تهدأ قليلاً أن تتأمل وأن تتعايش مع الفوضى اليومية بوصفها جزءاً من التنفس.
الخرطوم ترفع صوت الحياة في النهار ثم تترك لليل أن يربي مزاجاً آخر مزيج من الوحدة والطمأنينة والحنين. في هذه المدينة تتعلم أن الصبر ليس فضيلة فقط بل أسلوب نجاة إنها ترفع صوت اللطف الإنساني فوق ضجيج الأزمات وتعلمك أن تبقى قريباً من الناس وهم امشاج كثر حتى حين تبتعد عنهم الخرطوم هي طبقة الرهافة النيلية التي تلتصق بالروح.
فى الشتات يمة هذه الحرب توزع الناس فى اكثر من مدن خارج الوطن
جزء اكبر اتجه شمالاً نحو القلب الأكبر للنيل تجد القاهرة التي لا تمنحك فرصة للتوقف إنها مدينة تدفعك للأمام حتى لو كنت متردداً تمدّك بطاقة لا تنتهي وتضعك في سباق مع الوقت، مع الزحام، ومع نفسك.
القاهرة تعيد تشكيلك بطريقة مختلفة انها مثل المتروبول تجعلك أكثر جرأة وأكثر صلابة، وأكثر قدرة على فهم أن
(العالم أكبر مما تتخيله). هي مدينة اللقاءات السريعة والفرص التي تظهر فجأة. القاهرة لا تطلب منك الاندماج…
هي تبتلعك أولاً مقاهى وافقت ليلى مفتوح ثم تعيدك إنساناً آخر وتعلمك أن تواجه الحياة بلا خوف حتى حين تخاف.
هي طبقة الصرامة والقسوة الضرورية للبقاء.
فى الحيوات المختلفة هنا بين الريف الأصيل والخرطوم الهادئة والقاهرة
الصارخة، يتكون الإنسان الذي يعيش بين هذه التناقضات شيء من رهافة الماء المكتسبة من النيل ووداعة الريف، وشيء من صلابة الحجر المكتسبة من ضغط العاصمة الكبرى. يجمع بين راحة الجنوب وقسوة الشمال بين هدوء مدينة ترى الزمن دائراً حولها وصخب مدينة تصنع الزمن بيديها.
هذه المدن لا تغيّرنا من الخارج فقط إنها تلمس مناطق عميقة في داخلنا فتصبح جزءاً لا يتجزأ من هويتنا وحين نغادرهما نحمل مع كل مدينة طبقة جديدة فوق روحنا. فالمدن في النهاية ليست أماكن نعيش فيها… إنها أماكن تعيش فينا.






