لم يعد الاقتصاد السوداني بعد الحرب يملك رفاهية إدارة الأزمة من الداخل فقط؛ فاستعادة الإنتاج تحتاج إلى تمويل، واستعادة الصادرات تحتاج إلى أسواق، وإعادة الإعمار تحتاج إلى بنية تحتية وتمويل طويل الأجل، بينما يتطلب كل ذلك شبكة علاقات اقتصادية خارجية أكثر نشاطاً وقدرة على تحويل الشراكات الدولية إلى موارد ومشروعات داخل الاقتصاد.
ومن نيروبي إلى مينسك، يتحرك السودان على أكثر من مسار: توسيع التجارة الإقليمية، استقطاب التمويل، إدخال التكنولوجيا، دعم الإنتاج، فتح الأسواق، وتخفيف أعباء المديونية.
وفي قلب الحراك، برز جهد وزير الدولة بوزارة المالية المستشار محمد نور عبد الدائم، الذي ظل في حالة تحرك متواصل على الملفات الاقتصادية الخارجية، واضعاً التمويل والإنتاج والصادرات وإعادة الإعمار ضمن أجندة التحرك المالي. ولم يقتصر دوره على التوقيع، بل امتد إلى التفاوض والمتابعة ومحاولة فتح قنوات مصرفية وتمويلية جديدة. وقد قاد في مينسك مباحثات مع قيادة بنك التنمية البيلاروسي لتفعيل الاتفاقية، وتسهيل المراسلات البنكية المباشرة والتوسع في خطوط التمويل.
نيروبي.. من الجغرافيا إلى ممرات التجارة
في نيروبي، يتحرك السودان داخل منظومة إقليمية تستهدف تطوير التجارة والبنية التحتية والاستثمار والطاقة والنقل، ضمن خطة لتنمية التجارة في القرن الأفريقي للفترة 2026–2031.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة للسودان، الذي يمتلك موقعاً يربط البحر الأحمر بالقرن الأفريقي وشمال ووسط أفريقيا. فالمعبر الحدودي في الاقتصاد الحديث يمكن أن يتحول من نقطة لعبور الشاحنات وتحصيل الرسوم إلى منطقة تخزين وتصنيع وتوزيع وإعادة تصدير.
المعادلة هنا بسيطة: خفض كلفة النقل والتجارة يعني تحسين تنافسية المنتج السوداني ورفع قدرته على الوصول إلى الأسواق.
مينسك.. التمويل يتحول إلى إنتاج
إذا كانت نيروبي تفتح مسارات السوق، فإن مينسك تضع التمويل في خدمة الاقتصاد الحقيقي.
فالجزء الثاني من اتفاقية تمويل الصادرات بين السودان وبيلاروسيا، الذي تم توقيعه في أكتوبر، يفتح المرحلة الأولى لتمويل يتجاوز 100 مليون دولار، تشمل إنشاء 17 صومعة لتخزين الغلال وإنشاء خط لتجميع الجرارات البيلاروسية في السودان، مع توجه لمشروعات الأمن الغذائي والميكنة الزراعية والنقل والبنية التحتية.
وهنا تظهر أهمية التحرك الذي قاده وزير الدولة بالمالية؛ فالاتفاق لم يبقَ في إطار التفاهمات، بل انتقل إلى ترتيبات تمويلية محددة، مع بحث أدوات مصرفية لتسهيل حركة الأموال والتجارة.
كما طرح الوزير مبادرة تقوم على القرض الدائري لتمويل وتأمين السلع الأساسية، بما يعكس توجهاً للبحث عن أدوات تمويل تتجاوز الحلول التقليدية.
سفارة السودان في مينسك.. حضور دبلوماسي يخدم الاقتصاد
وفي هذا الحراك، تستحق سفارة السودان في مينسك، بقيادة السفير عمر الأمين عبدالله، الإشادة بالدور الذي تقوم به في دعم التواصل والتنسيق بين الجانب السوداني والمؤسسات البيلاروسية، ومواكبة الملفات الاقتصادية التي انتقلت من التفاهمات السياسية إلى اتفاقيات تمويل ومشروعات إنتاجية.
وقد ظهر حضور السفير عمر الأمين خلال توقيع اتفاقية تمويل الصادرات في مينسك، إلى جانب وزير الدولة بالمالية والمدير العام للبنك الزراعي السوداني، بما يعكس أهمية التكامل بين العمل الدبلوماسي والاقتصادي في إدارة الملفات الخارجية.
من التمويل إلى القيمة المضافة
القيمة الحقيقية لهذه الشراكات لن تُقاس بحجم الأموال المعلنة وحده، وإنما بما تضيفه إلى الاقتصاد السوداني.
فالجرار يعني زيادة القدرة الزراعية، والصومعة تعني تقليل فاقد المحاصيل وتحسين إدارة المخزون، والسكك الحديدية والنقل يعنيان خفض تكلفة وصول المنتج إلى الأسواق.
وتتحول المعادلة عند اكتمال السلسلة إلى:
تمويل → إنتاج → تخزين → نقل → تصنيع → تصدير → نقد أجنبي.
وهذه هي الحلقة التي يحتاج السودان إلى بنائها بعد الحرب.
المعيار الحقيقي.. ماذا دخل الاقتصاد؟
التحدي الآن هو الانتقال من اقتصاد الاتفاقيات إلى اقتصاد النتائج.
كم مشروعاً بدأ التنفيذ؟ كم صومعة ستدخل الخدمة؟ كم جراراً سيصل إلى المزارعين؟ كم ارتفعت الصادرات؟ وكم انخفضت فاتورة الاستيراد؟ وكم من النقد الأجنبي سيعود إلى الدورة الاقتصادية؟
هذه هي المؤشرات التي يجب أن تقيس بها الدولة نجاح تحركها الخارجي.
ومن نيروبي إلى مينسك، تبدو ملامح خريطة اقتصادية جديدة تتشكل: نيروبي بوابة للتجارة الإقليمية، ومينسك شريكاً في التمويل والتكنولوجيا والإنتاج، والتحرك متعدد الأطراف مساحة لتخفيف أعباء المديونية وتوسيع الشراكات.
وفي هذه الخريطة، يمثل الجهد المتواصل لوزير الدولة بالمالية، إلى جانب دور المؤسسات والسفارات السودانية في الخارج، محاولة لتحويل العلاقات الخارجية من علاقات دبلوماسية تقليدية إلى أدوات اقتصادية تنتج تمويلاً ومشروعات وأسواقاً ونقداً أجنبياً.
فالسودان لا يحتاج بعد الحرب إلى أموال تدخل البلاد وتخرج منها، بل إلى تمويل يبني إنتاجاً، وإنتاج يصنع صادرات، وصادرات تولّد نقداً أجنبياً، ونقداً أجنبياً يعيد تشغيل الاقتصاد.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية لاقتصاد ما بعد الحرب.






