منوعات

محمود علي خضر يكتب: إنه أواب علي خضر

الخرطوم فوري نيوز

إنه أواب علي خضر

كتبه: محمود علي خضر 23 أغسطس 2025

 

في أواخر العام 2003 احتفت العائلة احتفاءا كبيرا بقدوم مولودها الجديد وأسماه والداه أواب.. كان يوما مشهودا وأتذكر إلى الأن الضيوف الغفيرة و أصوات المداح و كميات الولائم وسعادة الوالد بهذا الأواب.

 

نشأ في بيئة كريمة حيث تربى على الأخلاق الحميدة و الاحترام وحب العلم ومتابعة العلماء. وواظب على القران حتى حفظه والتزم طريق الحق رغم قلة سالكيه وكثرة الملهيات.

 

تميز بصفات الهدوء وقلة الكلام والوقار ورجاحة العقل ولا تفارقه الابتسامة الهادئة.

 

المراهقة:

كان صبيا يافعا ليس ككل الصبيان من عمره.. دائما ما تجده سباقا للمساجد.. يقطع كل شي ليلحق بالصلاة عند سماع الاذان.. ليس له طلبات كثيرة في الدنيا. يهتم بتثقيف نفسه في كل المواضيع ويناقش بعقله وذكاءه المتقد. كان يجاهد نفسه يوميا ويضغط عليها وكنا نخشى عليه وحتى أنه سقط مرة وهو يصلي اثر التعب.

 

الدراسة:

اهتم بدراسته وتفوق فيها واضطر للبحث عن جامعة خارج بلده بسبب عدم الاستقرار الدراسي حينها في جامعات السودان.. ف انضم لجامعة القاهرة طالبا بكلية الهندسة قسم الميكانيكا وثابر و تميز في دراسته كعادته منذ الصغر.

كان يرسم مستقبلا مشرقا له ولأهله و يسعى له ليل نهار و الحياة مفتوحة أمامه. وكان من المفترض أن يتخرج في العام القادم 2026.

 

الحرب المفروضة:

تغيرت مجريات الأحداث بعد أن بدأت الحرب اللعينة في السودان في العام 2023 وكان متابعا لصيقا لمجرياتها قلقا مما يحدث من قتل وتشريد للأسر وترويع للمواطنين ويريد أن يفعل ما بوسعه لرفع الظلم عن أهله وبلده.

قابلته حينها مع عدد من شباب الأهل والزملاء وسألوني عن رأيي حيث انهم ينوون المشاركة في معارك استرداد الوطن من الأعداء.. كنت الأكبر في الجلسة وكانت مسؤولية كبيرة حيث أنهم يرغبون في الاهتداء برأيي أحسست بالقلق الشديد عند سماع رغبتهم هذه وأردت أن اثنيهم عنها بأي شكل.. وقلت لهم أن البلاد ستحتاج إلى مهندسين و علماء لإعادة بناءها بعد كل هذا الدمار.. ولدينا جيش يستطيع القيام بهذه المهمة وحده.. أما انتم فمهمتكم الحالية هي طلب العلم.

 

بعدها ساءت الأمور وبدأ الجيش في الدعوة للاستنفار الشعبي.. انتظر أواب بفارغ الصبر نهاية الامتحانات لينضم للصفوف الاولى بعد أن أخذ الاذن من والديه على مضض وكلنا حاولنا ثنيه بكل الطرق ولكن كان يرى ما لا نرى..

ما أقلقنا أن هذا الأواب حينها لم يكن عسكريا ولم يكن حتى يعرف كيف يمسك السلاح.. ولكن كانت لديه الشجاعة والأيمان والصدق الكافي للمشاركة. تقدم هو وعدد من معارفه وذهبوا في طريق البحث عن النصر أو الشهادة.

 

بعد انقطاع أخباره لفترة طويلة سمعنا بأنه وصل إلى معسكر المدرعات التابع للجيش بوسط الخرطوم والتقى بإخوته الشهيد مهند فضل والشهيد أمين حسن وغيرهم..

اتصلت به لأطمئن و أخبرني أنه في المدرعات ف مازحته قائلا “عندك كورس في ميكانيكا الدبابات ولا شنو؟!” كنت أتمنى الا يكون هذا الخبر حقيقيا فذلك المعسكر كان أخطر نقطة في كل العاصمة في ذلك الوقت ومحاصرا من كل مكان وكل يوم به معركة أصعب من التي قبلها.

والمنفذ الوحيد للوصول لهذا المعسكر يتطلب التوجه عبر مركب مهتريء عبر مسافة طويلة في النيل وتحيط بك القذائف الموجهة والعشوائية من جانبيه وسط ظلام الليل.

كتب الله النصر له و لرفاقه في المدرعات و كسروا الحصار المفروض عليهم لشهور طويلة.. و عادت قاعات الدراسة للعمل بعد انتهاء الاجازة.. واستبشرنا أنه سيرجع أخيرا إلى اسرته بالقاهرة منتصرا. ولكن لم يشأ الرجوع وقلقت جميع الأسرة عليه مما اضطر والده المجاهد علي خضر بخيت أن يتصل بقائد كبير في المعسكر ليصدر أمرا لأواب بإنهاء خدمته والمغادرة.

وصل أواب أخيرا إلى منزل أسرته ليكتشف أن والده فارق الحياة منذ ساعات. وأشهد أنني لم أراه يهتز وانما كان بثبات الجبال.

تحدث مع الوالد قبل وفاته بقليل وأخبرني بفرحه بخبر عودة أواب ولكن كتب الله أن يتأجل لقاءهما وفي هذا رؤية عجيبة شاهدها الابن لأبيه أتركها لكم في الصور.

 

رجع للدراسة مرة اخرى واجتهد فيها ولكن قلبه ما زال متعلقا بإخوته هناك.. كنا مطمئنين أنه لن يرجع قريبا لأن الاجازة القادمة هي بين فصلين دراسيين لا تتعدى ال 15 يوم.. وضع قلم اخر امتحان وغادر مباشرة راجعا للأماكن التي أحبها وفاجأنا للمرة الثانية.

كل الأسرة حاولت ثنيه عن قراره ولكنه كان ماضيا إلى حيث أراد. بقي هناك هذه المرة حتى تحرير الخرطوم كلها ثم رجع متأخرا حوالي شهرين بعد بداية الدراسة.

فرحنا مرة أخرى برجوعه وباركنا له واستمعنا للاحداث الشيقة التي رواها في جمع من أهله ورفاقه يبسط الأمر ويحكي كأنه كان في رحلة رغم ما بدى عليه من الاعياء الشديد من صعوبة الظروف وقلة الأكل والنوم و صخب المعارك. وقلنا له أن هذا يكفي وأنك أديت الواجب وزيادة. ولكنه باغتنا ككل مرة وانتظر نهاية الامتحانات ورجع للمرة الثالثة للمساهمة في تحرير باقي أجزاء الوطن.

هذه التصرفات كانت ديدن والده حيث يترك عمله وملذات الدنيا للذهاب والانضمام لصفوف الدفاع عن الوطن وإعلاء راية الحق.

 

هذه المرة كانت ايقاع المعارك بطيئا واستقرت مجموعته في العاصمة لفترة طويلة وقام بزيارة منازل العائلة واحدا واحدا و أرسل الصور ورسائل تطمين للجميع بعودة الامان للعاصمة.

 

ذلك الشاب الصغير لم يكن يهاب الموت وكل ما أراده هو دحر الأعداء والظفر بمن تناله أيديه منهم.

 

ولكنهو كانوا يتجهزون!

عرفت فيما بعد أن إقامتهم في العاصمة ما كانت إلا للتجهيز للانطلاق نحو بقية المناطق التي لم تتحرر بعد.. ليس لتجهيز العتاد والمؤن فقط وانما تجهيزا معنويا أيضا وينطبق عليهم بيت النشيد “تراه الليل في ركن قصي وهو يبتهل.. يناجي ربه وجلا يكاد يذيبه الخجل..”

وفعلا سمعنا بهم بعد مدة بأنهم في مناطق الحرب في كردفان في غرب السودان يباشرون المعارك و يحررون المزيد من الاراضي كل يوم. وانضم إليه الكثير من معارفه الذين كان يرغبهم في الجهاد بالكلمة الحسنة والقدوة.

 

زمرا في الجنة

اثخنوا الجراح في العدو وشهد وفرح كل السودانيين بصنيع هولاء الشباب في المتمردين وهللنا وكبرنا مع كل أرض تتحرر وكل بشرى بتقهقر العدو.. ولكنها حكمة الله اقتضت أن يأخذهم لجواره ليكافئهم على صبرهم و عزيمتهم.

الشهادة اصطفاء يختار الله من يمنحه هذا الشرف العظيم.. و هذه كانت مميزة فعلا حيث أنهم كانوا أكثر من إخوة في الدنيا و أختارهم الله جميعا في نفس العربة ونفس التوقيت ليلتقوا في جنات النعيم سويا بإذنه تعالى.

 

زُف إلينا خبر استشهاده الذي كنا نتوقعه في أي لحظة ولكنه وقع كالصدمة علينا جميعا.. فقدنا خيرة شبابنا وأفضلهم أخلاقا وأكرمهم ولكنها سنة الحياة فكلنا ماضون وليختار كل منا كيف سيمضي.

 

هي قصة صغيرة جميلة بدأت وانتهت سريعا لشاب نشأ في طاعة الله و حفظ ربه فحفظه.. كان يمكن أن يكون له مستقبلا باهرا في متاع الدنيا ولكنه اختار الاخرة وسعى لها سعيها. ودمائه الطاهرة وزملائه تروي أرض هذا الوطن لينعم بالسلام ولو بعد حين.

 

كانت أمنية الوالد منذ الصغر أن ينال هو الشهادة ولكن كتبها الله لذريته أواب ليجعله شفيعا لهما بإذن الله.

فخر لأبيه وأمه وكل أهله وأصدقائه.. استبشروا خيرا فقد كان بينكم شهيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى