أدبيات الفقر
في حوار لطيف مع الصديق المميز والنجم المحاور محمد الأمين دياب توقفنا عند الأزمة السودانية وسر عدم القدرةعلى إدارة موارد الدولة وأمرها، واتفقنا في المقام الأول أن الامر لايعدو سوى عدم إختيار الشخص المناسب في المكان المناسب وهنا جاء تعبيري الذي أطلقت عليه أدبيات الفقر في احالة السودان إلى واقع بائس.
والفقر الذي أحكي عنه ليس فقر الجيب فقط بل في كثير من الأحيان يكون فقر الروح للقناعة والرضا ، فتجد بعض الساسة خرجوا من بيوت فقيرة معدمة قرصت بطونهم الجوع وفتت عضد الصبر على فتنة السلطة وشهوة المال فينكبوا على اقتناء كل ماهو غالي ونفيس لدرجة الجنون ويتربحون من وظائفهم بالرشاوى والعمولات لدرجة تثير الغثيان وكل ذلك بسبب قرصة جوع قديمة ماتزال أثارها باقية في الروح.
نعم إن للفقر أدبيات قاسية تجعل من الشخص صاحب السلطة كلبا يلهث وراء المال فيبيع ضميره وأخلاقه وهو جاهز ليبيع وطنه أيضا مقابل الثراء والشهرة وهذه أدبية أخرى وهو وضاعة النسب أوقلة الذكر تجعل من الشخص ينهض بكل السبل ليجعل له ذكرا بين الناس وهذا ليس عيبا لكن للذكر شروط وهو نقاء السيرة والسريرة وليس التهافت لغسل سيرة قبيحة مثل غسل الأموال.
من أمر الأشياء التي ازهقت روح السودان أن هناك وظائف لاتحتمل أشخاص غير متحضرين لاتنطبق عليهم هذه الوظائف مهما نالوا من التعليم أو درجاته العليا ، فلم تتم صناعتهم صناعة حقيقية فنحن في بلد لاتعرف كيف تصنع النجوم في كل مجال في السياسة أو الدبلوماسية أو الإعلام وهذه مهن لابد ان يصنع فيها الناس صناعة ولكن القاعدة الذهبية ان يكونوا أنفسهم قادمين من بيوت عريقة بها المدنية والتحضر وتكون حصيلة مشاهداتهم في الحياة عميقة ومنوعة وكبيرة لاتخلعهم الشوك والسكاكين ولا يقفون مذهولين أمام أحواض الحمام الحديثة .
في مرة استضفت سياسي وكنت أراقب طريقته في الكلام وكل الوقت كنت أشعر أنني أحاور تاجر كبير في زريبة عيش فقط لاغير لايعرف حتى كيف ينسق النفس مع الكلام
ليس الفقر عيبا ولا العيش دونه يحتاج إلى عقدة أوديب لكن العيب أن نجلب فقراء معاقين وجدانيا ليديروا حياتنا والأسوأ أن نظن أنهم جيدون في الأمر فإن لم نغسلهم من بركة الفقر الآسنة سقطنا نحن فيها وتركنا مصائرنا نهبا لشهوات الامتلاك وتنطيق علينا المقولة الشعبية(التعملوا بايدك يغلب أجاويدك )
كونوا أكثر حكمة في عدم المجاملة فيمن يعتلى صهوة الوظائف المهمة لننجو من أدبيات الفقر والتخلف






