
علي شمو.. عودة أيقونة الإعلام
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
لم تكن عودة بروفيسور علي محمد شمو إلى الخرطوم مجرّد عودة شخصية لإعلامي مخضرم إلى وطنه بعد غياب امتد لنحو ثلاث سنوات، بل بدت حدثاً وطنياً بامتياز، حمل في طياته كثيراً من الدلالات السياسية والثقافية والإنسانية، وأعاد إلى الأذهان حجم الأذى الذي لحق بالرموز الوطنية السودانية خلال الحرب التي أشعلتها ميليشيا الدعم السريع، فبعد نحو ثلاث سنوات قضى معظمها في المملكة العربية السعودية، وطأت قدما بروفيسور علي شمو أرض الخرطوم مجدداً هذه المدينة التي غادرها مرغماً بعد أن تعرّض منزله بحي الصافية بمدينة بحري للاقتحام المتكرّر من قبل عناصر الميليشيا المسلحة التي لم تراعِ مكانته العلمية والوطنية، ولا تاريخه الممتد لعقود في خدمة الإعلام والثقافة بالسودان والعالم العربي.
وفاء واعتراف:
وحظيت عودة بروفيسور علي شمو باستقبال لافت بمطار الخرطوم الدولي، عكس حجم التقدير الذي يكنِّه السودانيون لأحد أبرز رموزهم الإعلامية، وكان في مقدمة مستقبليه وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محي الدين سالم، ووزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة خالد الإعيسر، إلى جانب وكيلي وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الدكتور جراهام عبد القادر والأستاذة سمية الهادي، فضلاً عن رئيس مجلس أمناء جائزة الطيب صالح وعدد كبير من الإعلاميين والمثقفين والمهتمين بالشأن العام، وتجاوز هذا الاستقبال المراسم البروتوكولية، راسماً دلالاتٍ عميقةً تعكس حرص الدولة على تكريم رموزها الوطنية، ورد الاعتبار لمن تعرضوا للتهجير والإقصاء القسري بسبب الحرب، كما بعث برسالة مفادها أن مرحلة استعادة الخرطوم تتجاوز إعادة إعمار الحجر إلى استعادة الإنسان والرموز الوطنية التي شكلت وجدان البلاد لعقود طويلة، كما عكس الاستقبال مؤشرات على بدء مرحلة جديدة من التعافي الوطني وعودة الكفاءات والخبرات السودانية إلى الداخل للمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب.

تاريخ الإعلام:
ويُعدُّ بروفيسور علي محمد شمو واحداً من أبرز رواد الإعلام في السودان والعالم العربي، وصاحب تجربة فريدة جمعت بين العمل المهني والإدارة الإعلامية والبحث الأكاديمي، وُلد شمو بمدينة النهود شمال غرب كردفان، وتلقى تعليمه الأولي بالسودان قبل أن ينتقل إلى الأزهر الشريف بمصر، ثم واصل دراساته العليا بالمملكة المتحدة، حيث نال درجتي الماجستير والدكتوراة في الإعلام والاتصال الجماهيري، إلى جانب مؤهلات أكاديمية متخصصة في التربية وعلم النفس والإذاعة والتلفزيون، وبدأ شمو رحلته المهنية من داخل حوش الإذاعة والتلفزيون بأم درمان مذيعاً، قبل أن يتدرج في المواقع القيادية حتى أصبح مديراً للإذاعة السودانية، ثم خبيراً إعلامياً ووكيلاً لوزارة الثقافة والإعلام، كما أسهم شمو في تدريس الإعلام بعدد من الجامعات السودانية والعربية، وشارك في إعداد وتأهيل أجيال متعاقبة من الإعلاميين الذين أصبحوا لاحقاً من أعمدة العمل الإعلامي داخل السودان وخارجه، وشغل شمو عدداً من المناصب الدستورية المهمة، من بينها وزير الدولة للشباب والرياضة، ثم وزير الثقافة والإعلام، كما تولى رئاسة المجلس الأعلى للرياضة الجماهيرية ورعاية الشباب، وترأس مجلس الصحافة والمطبوعات، وأسهم في تطوير مؤسسات الإعلام السودانية وتعزيز دورها المهني والثقافي، وعربياً، ارتبط اسم علي شمو بتجربة إعلامية رائدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث كان من أوائل الذين أسهموا في تأسيس وتطوير العمل التلفزيوني هناك، ووضع اللبنات الأولى لتلفزيون أبوظبي، ما جعله أحد الأسماء المؤسسة للإعلام التلفزيوني الحديث في الإمارات.
انتصار الفكرة الوطنية:
وخلال مراسم الاستقبال، أكد وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار خالد الإعيسر أن الاحتفاء ببروفيسور علي شمو يأتي تقديراً لأحد أبرز أيقونات الثقافة والإعلام في السودان، وقال إن عودة شمو تمثل دلالة رمزية كبيرة على مختلف المستويات، وتعكس حالة التعافي التي تشهدها الخرطوم، كما تجسد نجاح العودة الطوعية بعد تحرير العاصمة من قبضة الميليشيا، ونوه الإعيسر إلى أن بروفيسور كان شاهداً على بدايات الحرب وعلى وجود الميليشيا داخل الخرطوم، وظل متمسكاً بالفكرة الوطنية ومدافعاً عنها في مواجهة محاولات الاختطاف السياسي والفكري التي مورست عبر شعارات مضللة وفرية ( دولة 56)، مبيناً أن عودته تمثل أيضاً محطة مهمة في مسار الانعتاق من الخطاب الإقصائي والجهوي والمناطقي، مؤكداً أن مواقفه الوطنية المساندة للقوات المسلحة تعبر عن الضمير السوداني الجمعي، وأنها ستظل مصدر إلهام للأجيال القادمة.
إشادة بالجيش:
بكلمات تنضح بتقدير وامتنان عبر بروفيسور علي شمو عن سعادته البالغة بالعودة إلى الوطن، مشيداً بالأداء الذي قدمته القوات المسلحة والقوات المساندة لها خلال الحرب، وقال إن كثيرين لم يكونوا يتصورون إمكانية استعادة الخرطوم بعد سقوط أجزاء واسعة منها في قبضة المتمردين، وزارد: “لم نكن نتصور أن نعود إلى الخرطوم بعد أن خرجنا منها”، مبيناً أنه ظل متابعاً لكل التطورات رغم وجوده خارج البلاد، إلى أن تحقق النصر وتحررت العاصمة من قبضة الغزاة الطغاة، وتناول شمو حجم الدمار الذي شهدته البلاد، معتبراً أن ما جرى تجاوز حدود التصور، كما انتقد حالة الاختلال التي يشهدها النظام الدولي وعجزه عن إنصاف السودان تجاه الاعتداءات التي تعرض لها، ورفض المبررات التي رفعتها الميليشيا لتبرير الحرب، مؤكداً أن الشعارات التي رُفعت لم تكن سوى ذرائع لتدمير الدولة السودانية، وأشاد بروفيسور شمو بالدور الذي لعبه الإعلام الوطني خلال حرب الكرامة، داعياً الحكومة إلى إعطاء الإعلام أولوية خاصة خلال مرحلة إعادة الإعمار، باعتباره أحد أهم أدوات حماية الدولة وتعزيز الوعي الوطني.
حدث وطني:
ويرى الخبير الإذاعي، الأمين العام السابق للمجلس القومي للصحافة والمطبوعات دكتور عبد العظيم عوض أن عودة بروفيسور علي شمو إلى السودان تتجاوز بعدها الشخصي، وتمثل حدثاً وطنياً يحمل أبعاداً سياسية وثقافية ورمزية عميقةو وقال عوض في إفادته للكرامة إن شمو تعرض خلال الأيام الأولى للحرب لضغوط قاسية داخل منزله بحي الصافية بمدينة بحري، حيث اقتحمته عناصر الميليشيا المسلحة أكثر من مرة، رغم حرصه على البقاء في منزله وعدم مغادرته، ويضيف أن تلك الممارسات انتهت بإجباره على الرحيل، بينما تعرض منزله للنهب الكامل وفُقدت خلاله مكتبة ضخمة وكنوز علمية ووثائق وبحوث نادرة تمثل جزءاً مهماً من ذاكرة الإعلام السوداني، ويؤكد دكتور عبد العظيم أن بروفيسور علي شمو ليس مجرد إعلامي بارز، بل أحد المؤسسين الحقيقيين للإعلام السوداني الحديث، كما أنه من الشخصيات التي تركت بصمة مؤثرة في التجربة الإعلامية الإماراتية، حيث حظي بثقة وتقدير القيادة الإماراتية في عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأسهم في بناء مؤسسات إعلامية رائدة أصبحت جزءاً من مشروع النهضة الإماراتية، وقال إن الاحتفاء الرسمي والشعبي بعودة شمو يعكس تقدير السودانيين لرموزهم الوطنية، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الحرب مهما بلغت قسوتها لا تستطيع أن تمحو تاريخ العطاء أو أن تنتزع مكانة الشخصيات التي صنعت وجدان الأمة.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. تبقى عودة بروفيسور علي محمد شمو بمثابة عودة لذاكرة وطنية كاملة، وعودة لصوت ظل حاضراً في وجدان السودانيين والعرب لعقود طويلة، كما تمثل هذه العودة شهادة جديدة على فشل محاولات اقتلاع الرموز الوطنية من أرضها، وانتصاراً لقيم المعرفة والثقافة والإعلام في مواجهة مشروع العنف والتخريب، وسيظل مشهد استقبال علي شمو واحداً من أكثر المشاهد تعبيراً عن بداية مرحلة جديدة عنوانها الوفاء للرموز، واستعادة الوطن لوجهه الذي عرفه السودانيون عبر التاريخ.
#فوري نيوز #ايقونة الإعلام #علي شمو# تيسو






