يواجه حملات استهداف وانتقادات حادة من غرف الميليشيا،،
السفير الحارث..”الحارس” المصادم..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو:
يواجه السفير الحارث إدريس الحارث، رئيس بعثة السودان لدى الأمم المتحدة والمندوب الدائم بنيويورك، حملة استهداف وانتقادات حادة على منصات التواصل الاجتماعي من قبل غرف ميليشيا الدعم السريع وحلفائها السياسيين، على خلفية مواقفه وتصريحاته من علي منصة مجلس الأمن الدولي، ولا سيما كلمته في جلسة 24 أغسطس 2026م، التي رفض خلالها مقترحات غربية بتوسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية، ودافع عن موقف الحكومة السودانية والقوات المسلحة والقوات المساندة لها، ويعتبر السفير الحارث أحد أبرز الأصوات التي تتولى الدفاع عن الرواية الرسمية للسودان داخل أروقة الأمم المتحدة، خصوصاً في مواجهة الاتهامات الموجهة إلى القوات المسلحة، والمطالب الدولية التي تضع المؤسسة العسكرية والدعم السريع في خانة واحدة.
دبلوماسي محترف:
لم يبدأ الحارث إدريس معركته في نيويورك من فراغ، فقد تشكلت شخصيته المهنية على مدى عقود داخل المؤسسة الدبلوماسية السودانية، منذ التحاقه بوزارة الخارجية في بدايات ثمانينيات القرن الماضي، ويرى وزير الخارجية الأسبق السفير حسين عوض علي، الذي جمعته بالحارث إدريس زمالة الدراسة بجامعة الخرطوم والعمل بوزارة الخارجية، أن الرجل يمثل نموذجاً للدبلوماسي المحترف المنضبط أخلاقياً ومهنياً، ويقول حسين عوض إن شهادته في زميله تمتد إلى سنوات الدراسة والعمل، مؤكداً أنه عرفه «منضبطاً سلوكياً وأخلاقياً ومهنياً»، ومتقناً لأدوات مهنته، بعيداً عن الكذب والمهاترات وساقط القول، وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها صادرة عن دبلوماسي عمل مع الحارث في مراحل مختلفة، وليس من شخصية جاءت إلى المشهد بعد اندلاع الحرب، وهي شهادة تضع الشخصية المهنية للسفير في مواجهة مباشرة مع حملات التشكيك التي تستهدفه اليوم.
معركة المنبر الدولي:
ومع استمرار الحرب، تحولت بعثة السودان في نيويورك إلى واحدة من أهم ساحات المعركة الدبلوماسية، وظهر السفير الحارث إدريس في قلب هذا الحراك مدافعاً عن موقف حكومته، ومطالباً مجلس الأمن بالتعامل مع الحرب من زاوية مختلفة عن تلك التي تضع طرفي النزاع في مستوى واحد، حيث قادت البعثة السودانية تحركات لتقديم شكاوى وملفات إلى مجلس الأمن تتهم دويلة الإمارات بدعم وتمويل ميليشيا الدعم السريع، وهي تحركات مسنودة بأدلة دامغة ومعلومات عن إمدادات عسكرية وتسليح وطائرات مسيرة ومسارات لوجستية، إلى جانب نهب الذهب واستخدام عائداته في تمويل العمليات العسكرية، ولم يكتفِ الحارث بإيداع الملفات منضدة المجلس، بل دخل في مواجهات كلامية مباشرة مع ممثلي الإمارات داخل مجلس الأمن، رافضاً محاولات صرف الانتباه عن جوهر الاتهامات السودانية، ومتمسكاً بضرورة مساءلة الجهات الخارجية تقدم دعماً عسكرياً ولوجستياً لميليشيا الدعم السريع، وهنا تتجلى ملامح شخصية دبلوماسية أكثر صدامية في الظهور؛ شخصية لا تتعامل مع مجلس الأمن باعتباره مجرد منصة لإلقاء البيانات، وإنما باعتباره ساحة يجب فيها تسمية الأشياء والأطراف بأسمائها.
تفجير العاصفة:
وبلغت المواجهة أعلى مستوياتها في جلسة مجلس الأمن بتاريخ 24 أغسطس 2026م، عندما تصدى السفير الحارث للمقترحات الداعية إلى توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان، لقد كان موقفه واضحاً: لا يمكن التعامل مع القوات المسلحة السودانية، باعتبارها مؤسسة نظامية للدولة، بالطريقة نفسها التي يتم بها التعامل مع ميليشيا الدعم السريع المتمردة، وحذر الحارث من أن توسيع الحظر على السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية سيقود إلى إضعاف الدولة ومؤسساتها العسكرية، ويخلق معادلة غير عادلة بين الجيش والدعم السريع، وجدد السفير الحارث انتقاد التعامل الدولي الفضفاض مع التدخلات الخارجية، مطالباً بتسمية الدول والجهات التي تقدم دعماً لميليشيا الدعم السريع، بدلاً من الاكتفاء بالحديث العام عن «التدخل الخارجي»، ووفقاً لمراقبين فإن هذه المواقف لم تكن جديدةً تماماً على الحارث، لكنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية، لتفتح الباب أمام موجة جديدة من الانتقادات، سرعان ما تجاوزت مضمون خطابه إلى شخصه.
معركة موازية:
وتكشف حملة الاستهداف التي يتعرَّض لها السفير الحارث إدريس عن جانب آخر من الحرب السودانية، جانبٌ لا تدور فيه رحى الحرب بالرصاص والمسيرات، وإنما بالكلمة والصورة والمعلومة والرواية، ففي الوقت الذي يخوض فيه الجيش وميليشيا الدعم السريع حرباً عسكرية على الأرض، تخوض الدبلوماسية السودانية معركة موازية لإقناع المجتمع الدولي «بمعاييره المزدوجة» بصحة رواية الحكومة السودانية، وفي هذه المعركة، تصبح المنابر الدولية ذات قيمة استراتيجية، ويصبح المندوب الدائم للدولة أحد أدواتها الرئيسة، ومن هنا يمكن قراءة حجم الهجوم على الحارث إدريس باعتباره انعكاساً للصراع حول الرواية السودانية في الخارج، فكلما ارتفع صوت المندوب في مواجهة تدخل الدوائر الخارجية وفي مقدمتها الإمارات، ارتفعت في المقابل حدة الهجوم عليه من خصوم هذا الخطاب، ولذلك فإن محاولة النيل من الرجل لا تنفصل عن محاولة التأثير في الرسالة التي يحملها.
شهادة معتبرة:
ووسط ضجيج الانتقادات الحاد، تأتي شهادة السفير حسين عوض علي، وزير الخارجية الأسبق لتنصف السفير الحارث إدريس من خلال تناول مساحة مخضرَّة من شخصية الرجل ومسيرته المهنية، فالوزير حسين الذي عمل إلى جانب الحارث لسنوات يقول إنه لم يعهد الرجل «مغالياً في حديثه»، وإن ما أدلى به في جلسة مجلس الأمن في 24 أغسطس بشأن حكومة دكتور حمدوك كان، في تقديره، صحيحاً وليس كذباً، وبعيداً عن تقييم الموقف السياسي ذاته، تضع هذه الشهادة أمام القارئ صورة أخرى للحارث، كدبلوماسي قديم، تشكلت أدواته داخل المؤسسة الدبلوماسية، ويقول زميله عوض إن الحارث ظل طوال مسيرته منضبطاً أخلاقياً وسلوكياً ومهنياً، وهنا تبدو المفارقة؛ فكلما اشتدت الحملات حول الرجل، تعود شهادات زملائه إلى الحديث عن شخصيته المهنية، بينما يستمر الجدل السياسي حول مواقفه.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فقد وجد السفير الحارث إدريس، نفسه في قلب معركة تتجاوز شخصه، إنها معركة السودان داخل مجلس الأمن؛ معركة حول من يتحمل مسؤولية الحرب، ومن يدعم أطرافها، وكيف ينبغي للمجتمع الدولي أن يتعامل معها، وما إذا كان فرض قيود متساوية على طرفيها يحقق السلام أم يضعف مؤسسات الدولة، وفي هذه المساحة شديدة الحساسية، اختار الحارث أن يتحدث بلغة مباشرة، وأن يرفض ما يراه مساساً بسيادة بلاده، وأن يرفع سقف المطالبة بمساءلة الداعمين الخارجيين، إن قضية الحارث إدريس تجاوزت قصة سفير يواجه انتقادات، إنها حكاية دبلوماسي أصبح اسمه جزءاً من معركة الروايات، ووجد نفسه تحت مرمى الاستهداف كلما ارتفع صوته في نيويورك، صوتٌ يزعج الإمارات والمحاور التي تريد رواية أخرى، لحربٍ فيها الانتصارات تترا، عسكرياً ودبلوماسياً.
#فوري نيوز#السفيرالحارث#مجلس الامن# السودان






