
خاص: فوري نيوز
تضع ولاية الجزيرة القطاع الصناعي أمام اختبار جديد، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى قدرتها على تحويل مقوماتها الزراعية وموقعها الاستراتيجي إلى قاعدة إنتاج صناعي تسهم في دعم الاقتصاد السوداني. وجاءت جولة والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير بالمنطقة الصناعية بمدينة المناقل لتسلط الضوء على عدد من المصانع القائمة، وتعيد طرح سؤال أكبر: هل تستطيع الجزيرة أن تتحول من سلة غذاء للسودان إلى واحدة من أهم منصاته الصناعية؟
وأظهرت الجولة وجود نشاط صناعي متنوع بالمناقل، يشمل مطاحن الدقيق ومصانع البسكويت والزيوت، إلى جانب مصنع لإنتاج وتجميع بطاريات الطاقة الشمسية والليثيوم، وهي نماذج تعكس إمكانية توسيع القاعدة الصناعية بالولاية نحو قطاعات جديدة تتجاوز الصناعات المرتبطة مباشرة بالإنتاج الزراعي.

صناعة قائمة تبحث عن التوسع
ولم تكن الجولة مجرد وقوف ميداني على سير العمل داخل المصانع، بل قدمت صورة مباشرة عن إمكانات القطاع الصناعي ودوره في تحريك النشاط الاقتصادي.
فوجود مصانع تعمل بالفعل يعني أن البيئة الصناعية في المناقل ليست فكرة مؤجلة، وإنما نشاط إنتاجي قائم يمكن البناء عليه وتوسيعه، خاصة مع توفر المواد الخام الزراعية والأسواق المحلية والحاجة المتزايدة إلى المنتجات المصنعة محلياً.
ويتيح تنوع المصانع القائمة فرصة لبناء حلقات إنتاج مترابطة، بحيث لا يقتصر النشاط الصناعي على إنتاج سلعة واحدة، وإنما يمتد إلى صناعات مكملة توفر مدخلات الإنتاج وتضيف قيمة جديدة للمنتجات المحلية.
من الزراعة إلى القيمة المضافة
تمتلك ولاية الجزيرة قاعدة زراعية واسعة يمكن أن تمنح الصناعة ميزة مهمة، إذ تتيح المحاصيل الزراعية فرصاً كبيرة أمام التصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف وإنتاج الزيوت والأعلاف وغيرها من الصناعات المرتبطة بسلاسل القيمة الزراعية.
ولا تقف الفرصة عند حدود التصنيع الغذائي، فالولاية يمكن أن تستوعب صناعات في مجالات الآليات والمعدات الزراعية وقطع الغيار والصناعات الهندسية وإعادة التدوير والطاقة الشمسية.
ويبرز مصنع بطاريات الطاقة الشمسية والليثيوم في المنطقة الصناعية بالمناقل نموذجاً لصناعة حديثة يمكن أن ترتبط باحتياجات قطاعات متعددة، من الزراعة والمياه إلى الكهرباء والمنازل والمؤسسات، بما يفتح الباب أمام تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي.
عشر مدن صناعية.. من المساحات إلى المشاريع
وتطرح خطة إنشاء عشر مدن صناعية بالولاية تحدياً يتجاوز توفير الأراضي للمستثمرين، إذ يتطلب الأمر تحويل هذه المدن إلى مناطق إنتاج متخصصة ومتكاملة.
فالتخصص يمكن أن يمنح كل مدينة صناعية هوية اقتصادية مرتبطة بالموارد المتاحة حولها، ويتيح توزيع النشاط الصناعي بصورة أكثر توازناً، ويخلق فرصاً جديدة للاستثمار والعمل.
لكن نجاح هذه الرؤية يرتبط بتوفير الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وطرق واتصالات، إلى جانب تبسيط إجراءات الاستثمار وتوفير معلومات واضحة للمستثمرين حول الفرص والقطاعات ذات الأولوية.

التمويل.. الحلقة التي تحتاج إلى دعم
وتبدو قضية التمويل واحدة من أبرز التحديات أمام التوسع الصناعي، وهو ما يجعل الدعوة إلى مساندة وزارة الصناعة وبنك السودان ذات أهمية خاصة.
فالمصانع تحتاج إلى تمويل طويل الأجل، ومدخلات إنتاج، وقطع غيار، وطاقة، وقدرة على الوصول إلى النقد الأجنبي عند الحاجة. وهي متطلبات لا تستطيع الولاية وحدها معالجتها، وإنما تحتاج إلى سياسات اقتصادية وتمويلية على المستوى الاتحادي.
كما يبرز دور القطاع المصرفي في دعم الاستثمار الصناعي، بالنظر إلى ما يمكن أن يحققه المصنع من إنتاج وفرص عمل وحركة تجارية وإيرادات، فضلاً عن إمكانية إحلال بعض الواردات وفتح الطريق أمام الصادرات مستقبلاً.
الصناعة كرافعة للتعافي
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل حاجة السودان إلى توسيع قاعدة الإنتاج وتقليل الاعتماد على السلع المستوردة.
فالتحدي لا يتمثل فقط في زيادة عدد المصانع، وإنما في بناء سلاسل إنتاج متكاملة تحول الموارد المحلية إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
فالقمح يمكن أن يرتبط بصناعات غذائية متعددة، والقطن يمكن أن يشكل مدخلاً لصناعات الغزل والنسيج والزيوت والأعلاف، كما يمكن للمحاصيل الزراعية أن تدعم صناعات واسعة في التصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف.
وتوفر الطاقة الشمسية بدورها مجالاً آخر للنمو، خصوصاً مع اتساع الحاجة إلى حلول الطاقة في القطاعات الزراعية والخدمية والإنتاجية.
المناقل تقدم النموذج
وتكشف الجولة في المنطقة الصناعية بالمناقل عن نقطة أساسية: الجزيرة لا تبدأ من الصفر.
فهناك مصانع قائمة، ومستثمرون يعملون، وعمالة سودانية، ومنتجات تجد طريقها إلى الأسواق. وما تحتاجه هذه المنظومة هو توسيع قاعدة الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، وتوفير التمويل والخدمات، وربط النشاط الصناعي بالخطط الاقتصادية للولاية والدولة.
ومن هنا، يمكن النظر إلى المناقل باعتبارها نموذجاً يمكن تطويره وتكراره في مدن صناعية أخرى بالولاية، بدلاً من التعامل مع كل مصنع باعتباره مشروعاً منفرداً.
البنية التحتية مفتاح التوسع
ويبقى توفير البنية التحتية أحد الشروط الأساسية لنجاح أي توسع صناعي. فالمصنع لا يعمل بمعزل عن الطرق والكهرباء والمياه ووسائل النقل والخدمات المصرفية والاتصالات.
ولهذا فإن تطوير المناطق الصناعية ينبغي أن يتجاوز تخصيص الأراضي إلى إنشاء بيئة متكاملة تساعد المستثمر على بدء الإنتاج والاستمرار فيه، وتقلل تكلفة التشغيل والنقل، وتربط المصانع بالأسواق ومناطق الإنتاج الزراعي.
كما أن استقرار الخدمات يمثل عاملاً مؤثراً في قرارات المستثمرين، خاصة في الصناعات التي تعتمد على الطاقة بصورة مستمرة أو تحتاج إلى نقل المواد الخام والمنتجات بصورة منتظمة.

من مصنع إلى منظومة إنتاج
وتحتاج الجزيرة في المرحلة المقبلة إلى الانتقال من فكرة وجود مصانع منفردة إلى بناء منظومة صناعية مترابطة.
فمصانع الدقيق والبسكويت والزيوت يمكن أن تكون جزءاً من سلسلة إنتاج غذائي أوسع، بينما يمكن للصناعات الهندسية أن توفر بعض احتياجات القطاع الزراعي، ويمكن لصناعة الطاقة الشمسية أن تدعم عمليات الإنتاج والخدمات المرتبطة بها.
وهذا التكامل من شأنه أن يزيد القيمة المضافة داخل الولاية، ويوفر فرصاً جديدة للعمل، ويخلق أسواقاً للصناعات المساندة، ويجعل الاستثمار الصناعي أكثر ارتباطاً باحتياجات الاقتصاد المحلي.
هل تتحول الجزيرة إلى منصة صناعية؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحددها زيارة ميدانية أو مصنع واحد، وإنما قدرة الولاية على تحويل المقومات المتاحة إلى سياسة صناعية واضحة ومشروعات قابلة للتنفيذ
فالجزيرة تمتلك قاعدة زراعية، وموقعاً مهماً، وسوقاً محلية، وخبرات بشرية، وتجارب صناعية قائمة. غير أن تحويل هذه المزايا إلى منصة صناعية واسعة يتطلب استثمارات جديدة، وبنية تحتية مناسبة، وتمويلاً منتظماً، وتنسيقاً بين الحكومة الاتحادية وحكومة الولاية والقطاع الخاص والقطاع المصرفي.
وبينما تضع المناقل قدماً على طريق الصناعة، يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من وجود مصانع متفرقة إلى منظومة صناعية متكاملة قادرة على إنتاج القيمة المضافة، وتوفير فرص العمل، وخدمة الزراعة، ودعم الأسواق، والمساهمة في مسار التعافي الاقتصادي.
ومن المناقل يمكن أن تبدأ الإجابة العملية عن السؤال: هل تصبح الجزيرة منصة السودان الصناعية الجديدة؟
فالمقومات موجودة، والنماذج بدأت تظهر، والمطلوب الآن هو تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع صناعي واضح، تدعمه البنية التحتية والتمويل والسياسات المحفزة للإنتاج، حتى لا تبقى الصناعة في الجزيرة مجرد نشاط متفرق، بل تصبح إحدى روافع اقتصاد الولاية والسودان.
نواصل…






