
أبوطيبة يكتب: تحية إجلال لك أيها الوالي
اختلفت حوله الآراء والتصنيفات، إلا أنهم اتفقوا على وطنيته الخالصة، عيار 24، تلك الوطنية التي جعلت منه واحداً من أبرز رموز الصمود في ولاية نهر النيل، وساهمت في حماية مدنها ومؤسساتها من تداعيات الغزو المليشي، ليصبح بحق رجل دولة في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ السودان الحديث.
أعلم أن هناك من يخالفني الرأي، وهذا حق مشروع، لكن المتابع لمسيرة الرجل يجد أنه استطاع أن يصمد أمام كل الرياح العاتية التي حاولت النيل من ولاية نهر النيل، مستنداً إلى حنكته الإدارية، ومتابعته اللصيقة لما يدور داخل الولاية، وقدرته على إدارة الملفات المتعددة في ظروف استثنائية.
لقد سطع نجم الدكتور محمد البدوي عبدالماجد أبو قرون، والي ولاية نهر النيل وشيخ الولاة، من خلال محافظته على شعرة معاوية بينه وبين مختلف فئات المجتمع، في صورة تجسد معنى التجانس والتناسق، كأنها نوتة موسيقية ضابط إيقاعها ذلك البدوي الذي ارتدى الكاكي والجلابية عنواناً لوطن مصغر، تجمع في نهر النيل.
هذه الولاية التي احتضنت أهل السودان وتقاسمت معهم الحياة، عندما اشتكت الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان وسنجة من ألم الغزو، كانت نهر النيل هي الملاذ الآمن، والعرق النابض الذي ضخ الدماء في عروق الوافدين إليها.
بل أصبحت الولاية التي يقودها أبو قرون شريان حياة وجسراً لدعم القوات المسلحة السودانية، بالرجال والمال والقوافل، التي ما زالت متواصلة، في مشهد يعكس تلاحم المجتمع مع مؤسسات الدولة في مواجهة تداعيات الحرب.
*معركة التعليم*
نجح البدوي في إنقاذ العملية التعليمية من واحدة من أخطر المهددات التي واجهتها، في وقت كان فيه التعليم نفسه أحد الأهداف التي تعرضت للاستهداف بسبب الحرب.
فأصبحت نهر النيل محطة أنظار كل من يبحث عن مواصلة تعليمه، وتحولت الولاية إلى نموذج لاستمرار العملية التعليمية رغم الظروف الصعبة، ليصبح البدوي، عملياً، أحد أبرز قادة معركة التعليم في السودان خلال هذه المرحلة.
*معركة معاش الناس*
أما الاقتصاد ومعركة توفير احتياجات المواطنين، فقد كانت ولا تزال واحدة من أصعب المعارك اليومية.
ومع اشتداد الضغوط الاقتصادية، لم يكن أمام حكومة الولاية سوى المواجهة، فها هو البدوي وأركان حكومته يتحركون في الأسواق، ويتابعون الأسعار بأنفسهم، ويفتتحون أسواقاً للبيع المخفض، بدعم من حكومة الولاية، مع إعفاء التجار العاملين في هذه الأسواق من الضرائب والجبايات، في محاولة لتخفيف العبء عن كاهل المواطنين.
وسبق هذه الخطوة تدشين سلة الشتاء للعاملين، وما زال العطاء مستمراً، في مسعى لتخفيف آثار الأزمة الاقتصادية على الشرائح المختلفة.
*رجل التوافق السياسي*
وسياسياً، ظل الرجل حلقة وصل وملتقى جامعاً لمختلف القوى والأحزاب السياسية، الكبيرة والصغيرة، وظل صاحب مبادرات هدفت إلى جمع الفرقاء وتقريب وجهات النظر، في تجربة سياسية واجتماعية لم تكن الولاية تعرفها بهذا الزخم من قبل.
*الصناعة والإنتاج*
وعلى صعيد الإنتاج، استطاعت حكومة الولاية، عبر وزرائها وأجهزتها المختلفة، احتضان أكثر من 350 مصنعاً كبيراً وصغيراً، بما ساهم في الحفاظ على دورة الإنتاج، وتقليل البطالة، واستمرار عجلة الاقتصاد والإنتاج والإنتاجية رغم ضغوط الحرب.
وهو ملف لا يقل أهمية عن الملفات العسكرية والسياسية، لأن استمرار المصانع يعني استمرار الحياة، وتوفير فرص العمل، ودعم الاقتصاد الوطني في واحدة من أصعب فترات السودان.
*الرياضة تعود إلى الملاعب*
وللرياضة نصيبها أيضاً من حضور البدوي؛ فقد كان له دور واضح في عودة النشاط الرياضي إلى البلاد، حيث احتضنت ولاية نهر النيل، تحت رعايته وإشراف حكومته، منافسات الدوري الممتاز ودوري النخبة، بعد أن سبقهما دوري الدامر العريق.
فالرياضة، في زمن الحرب، ليست مجرد منافسة داخل الملعب، وإنما رسالة بأن الحياة مستمرة، وأن المجتمع قادر على صناعة الفرح رغم الألم.
*الصحة.. معركة أخرى*
أما صولة وجولة البدوي وحكومته في ملف الصحة، فلا تخطئها العين، ولا ينكرها إلا مكابر.
ففي ظل الظروف الصحية والإنسانية التي فرضتها الحرب، أصبح دعم المؤسسات الصحية وتوفير الخدمات الطبية واحدة من أولويات الولاية، وهو ملف ظلت فيه الحكومة حاضرة، وفق ما تسمح به الإمكانات والظروف.
*ولاية لكل السودان*
نهر النيل ولاية متنوعة، تضم مكونات اجتماعية وثقافية متعددة، ولكل منها خصوصيتها وآراؤها وتطلعاتها. وهي ولاية عرفت تاريخياً بالتجاذبات الاجتماعية والسياسية التي قد تجعل إدارة شؤونها مهمة ليست سهلة.
ثم جاءت الحرب بإفرازاتها المختلفة، بخيرها وشرها، وأضافت أعباء جديدة على الولاية وحكومتها ومجتمعها.
ومع ذلك ظل البدوي وحكومته، إلى جانب القيادات الشعبية والرسمية والأمنية، في مواجهة هذه التحديات، صامدين صمود الجبال، يحاولون المحافظة على تماسك الولاية واستقرارها، وعلى دورها كملاذ آمن وشريان حياة للسودان.
وفي نهاية المطاف، قد يختلف الناس حول الوالي الدكتور محمد البدوي عبدالماجد أبو قرون، وقد تتباين الآراء حول أدائه وسياساته، وهذا أمر طبيعي في العمل العام.
لكنني أقولها من زاوية المتابع والمراقب لمسيرة الرجل:
إن وجود الدكتور محمد البدوي والياً على نهر النيل في هذه الفترة كان، في تقديري، نعمة وهبة للسودان كله؛ لأنه كان الرجل المناسب في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب.
تحية إجلال لك أيها الوالي.






