
تتصاعد وتيرة الجدل بشأن تعدّدها في المشهد السوداني،،
التشكيلات المسلّحة..جرح الدولة المفتوح..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
يضج المشهد السوداني هذه الأيام بوتيرة متصاعدة من الجدل بشأن رفض وجود أي تشكيلات مسلحة خارج مؤسسات الدولة الرسمية، في ظل تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023م، وما خلفته من خسائر بشرية ومادية ودمار طال مؤسسات البلاد ومرافقها الحيوية، ويعيد هذا الجدل التأكيد على أن استعادة الدولة لسيادتها لا تتحقق بمجرد السيطرة على الأرض، بل تتطلب إخضاع جميع القوات والتشكيلات المسلحة والأجهزة الأمنية لقيادة موحدة، تلتزم بالقانون وتعمل وفق قرار وطني واحد، باعتبار أن وجود قوى مسلحة مستقلة عن مؤسسات الدولة يفتح الباب أمام تضارب المصالح والقرارات، ويضعف قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سلطتها وحماية المواطنين.
تجربة مريرة:
وقدّمت الحرب التي أشعلتها ميليشيا الدعم السريع درساً قاسياً في مخاطر وجود قوة عسكرية موازية للدولة، فقد أدخلت هذه المي،، ليشيا السودان في حرب مدمرة أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا، وشردت الملايين، وألحقت أضراراً واسعة بالمنازل والمرافق العامة والاقتصاد، فضلاً عن تفاقم الأزمة الإنسانية وتراجع الخدمات الأساسية، ولم تقف آثار هذه التجربة عند ما خلفته الحرب من دمار، بل امتدت إلى تعقيد فرص السلام والتعافي وإعادة بناء المؤسسات، ولذلك، فإن منع تكرار مثل هذه الحرب، يتطلب وفق خبراء عسكريين معالجة الأسباب التي سمحت بقيام قوة مسلحة ذات قيادة ومصالح مستقلة، وضمان ألا تتحول أي تشكيلات أخرى إلى مراكز قوة تنازع الدولة سلطتها أو قرارها.
جيش وطني واحد:
ويجمع مراقبون على أن توحيد المؤسسة العسكرية لا يعني تغيير أسماء التشكيلات المسلحة أو نقل تبعيتها الإدارية فحسب، بل يتطلّب وحدة القيادة والتسليح والتمويل، والالتزام بتسلسل أوامر واضح، والخضوع للقانون والمساءلة، وتشمل المعالجة وضع معايير مهنية لدمج المؤهلين في المؤسسات النظامية، وتسريح من لا تنطبق عليهم شروط الخدمة وإعادة إدماجهم في الحياة المدنية، إلى جانب إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية ومعالجة الأسباب السياسية والاجتماعية التي أسهمت في نشوء قوى مسلحة موازية.
جوهر الأزمة:
ويرى الخبير الدبلوماسي والمحلل السياسي السفير دكتور معاوية التوم البخاري، أن خطورة تعدد التشكيلات المسلحة لا تكمن في تعدد الوحدات وحده، وإنما في استقلال بعضها بقيادته وموارده وقراراته عن مؤسسات الدولة، ويحذر السفير بخاري في إفادته للكرامة من أن امتلاك تشكيلات مسلحة، مصادر تمويل وتسليح مستقلة، أو قدرتها على اتخاذ قرارات الحرب والسلم بمعزل عن السلطة المختصة، يهدد وحدة القرار الوطني ويفتح المجال أمام تضارب المصالح واقتصاديات الحرب، ويؤكد البخاري أن توحيد الجيش مشروع لإعادة بناء الدولة على أساس السيادة الوطنية وسيادة القانون، مشدداً على ضرورة الجمع بين دمج المؤهلين، وتسريح الآخرين وإعادة إدماجهم مدنياً، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بنشوء مراكز قوة موازية ويحذر من أن تغيير التبعية الإدارية وحده، دون معالجة شبكات التمويل والولاءات المستقلة، قد يعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. يبقى التحدي أمام السودان أكبر من إنهاء الحرب، فهو يشمل بناء دولة قادرة على منع تجددها، وحماية مواطنيها، وفرض القانون على الجميع، وتظل وحدة القيادة العسكرية وخضوع السلاح للمؤسسات الرسمية من الاستحقاقات الأساسية لاستعادة السيادة، وتهيئة الظروف لسلام مستدام وتعافٍ وطني حقيقي.






