
من أعلي المنصة
ياسر الفادني
لم يروا وجه الوالي… لكنهم أبصروا إنسانيته !!
كل الإنجازات لا تكمن في محطات كهرباء تُضاء، ولا محطات مياه تروي الظمأ، ولا أسواقاً تنخفض فيها الأسعار، ولا مشروعات تُقاس بالأرقام وتُحصى بالأموال، فثمة إنجازات أخرى لا تُقاس بما تضيفه إلى الأرض، وإنما بما تزرعه في القلوب، ولا تُوزن بحجم ما تقدمه الأيدي، وإنما بمقدار ما تمسح به من دموع، وما تفتحه في نفوس الناس من نوافذ للأمل ومن هذا الباب جاءت زيارة والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير ، لشريحة المكفوفين ، في خطوة إنسانية تستحق أن نقف عندها، لا لأنها زيارة لمسؤول إلى مجموعة من المواطنين فحسب، بل لأنها التفاتة إلى شريحة كثيراً ما تمشي في طرق الحياة بصمت، وتواجه تحدياتها بعزيمة، وتحتاج إلى من يراها ببصيرته قبل أن يراها بعينيه
هؤلاء الذين فقدوا نعمة البصر، لكنهم لم يفقدوا البصيرة، والذين قد تحجبهم ظلمة العيون عن رؤية الطريق، لكنها لم تستطع أن تحجب عنهم نور العلم والإرادة والطموح ، كم من عالم كفيف أضاء بعلمه عقول المبصرين؟ وكم من أديب امتلك من قوة البيان ما جعل كلماته أبصر من عيون كثيرة؟ وكم من إنسان تحدى إعاقته، فبلغ أعلى درجات العلم، وارتقى منصات الإبداع، وترك بصمته في سجل الإنسانية؟ ويكفي أن نتذكر الأديب المصري الكبير طه حسين، الذي لم تمنعه الإعاقة البصرية من أن يصبح أحد أبرز أعلام الفكر والأدب العربي
إن المكفوف ليس إنساناً ينتظر الشفقة، بل مواطن يمتلك حقوقاً، ويحمل طموحات، ويستحق أن يجد مكانه اللائق في المجتمع وما يحتاج إليه ليس أن ينظر إليه الآخرون بعين العطف وحدها، بل أن يفتحوا أمامه أبواب المشاركة، وأن يوفروا له البيئة التي تعينه على التعلم والعمل والإبداع، وأن يشعر بأن المجتمع لا يراه بعينيه فقط، بل ببصيرته وضميره أيضاً
من هنا تأتي أهمية زيارة والي الجزيرة، فهي اختراق إنساني في جدار الاعتياد !! ، وخطوة تحمل رسالة واضحة مفادها أن المسؤولية لا تنحصر في الملفات التقليدية، مهما كانت أهميتها، وإنما تمتد إلى الإنسان نفسه، إلى احتياجاته النفسية والاجتماعية، وإلى إحساسه بأنه حاضر في حسابات الدولة، وأن هناك من يتذكره ويسأل عنه ويستمع إليه
ولعل أجمل ما في هذه الزيارة هو ذلك التكبير الذي ارتفع خلال مخاطبة الوالي للمكفوفين، وكأنه صوت فرح خرج من القلوب قبل الحناجر، ورسالة امتنان عبّرت عما عجزت الكلمات عن قوله، لم يكن ذلك التكبير مجرد هتاف فحسب بل كان تعبيراً عن فرحة أناس شعروا بأن أحداً طرق بابهم، وأن مسؤولاً جاء إليهم لا ليطلب منهم شيئاً، بل ليمنحهم بعضاً من الاهتمام الذي يستحقونه
لقد حملت الزيارة دعماً لتسيير مناشط هذه الشريحة، وهو دعم تتجاوز قيمته المادية حدود المال، لأنه يمنح أصحاب المبادرات مساحة للحركة، ويعينهم على تنظيم أنشطتهم، ويؤكد أن مؤسساتهم ليست هامشاً في المجتمع، وإنما جزء أصيل من نسيجه، كما أن وعد الوالي بتأهيل دارهم يحمل معنى أكبر من مجرد صيانة مبنى أو تحسين مرافق، فالدار بالنسبة إليهم مساحة للقاء، ومكان لتبادل الخبرات، ومنبر للتعليم والتدريب، ونافذة يطلون منها على المجتمع، ويؤكدون عبرها أنهم قادرون على العطاء والمشاركة وصناعة الحياة،
تأهيل هذه الدار يعني أن يجد الكفيف مكاناً يذهب إليه كلما احتاج إلى رفقة تشبهه، أو معرفة تنفعه، أو نشاط يطور قدراته، يعني أن تتحول المساحة إلى عنوان للأمل، ومركز للإرادة، وبيت تتلاقى فيه التجارب، فتخف وطأة العزلة، وتتسع دوائر الثقة بالنفس
إن من يرعى المكفوفين ويحترمهم ويدعم حقوقهم لا يقدم خدمة لشريحة بعينها فحسب، بل يكشف عن معدن إنساني أصيل، ويبعث برسالة إلى كل من فقد بصره بأن الحياة لم تغلق أبوابها أمامه، وأن المجتمع الذي يعيش فيه يمكن أن يكون عيونه، وأن الأيدي التي تمتد إليه بالمساعدة يمكن أن تكون دليله، وأن الإرادة الصادقة قادرة على أن تصنع من العوائق جسوراً نحو المستقبل
وهنا يحضر المعنى النبوي العظيم الذي يربط الصبر على فقد البصر بالأجر والجزاء من الله، في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة) هو معنى يفتح باب الرجاء، ويذكرنا بأن التعامل مع أصحاب الإعاقة ليس منّة من أحد، بل واجب أخلاقي وإنساني، وأن احترامهم يبدأ بالاعتراف بقدراتهم وحقوقهم، وينمو بتوفير ما يعينهم على العيش الكريم
شكراً لوالي الجزيرة، الذي جعل من هذه الزيارة للمكفوفين …. رسالة تتجاوز حدود المكان، وأثبت أن المسؤول لا يُقيم فقط بما يفتتحه من مشروعات، وإنما أيضاً بمن يتذكرهم، وبالأبواب التي يطرقها، وبالقلوب التي يترك فيها أثراً طيباً
شكراً له لأنه اقترب من شريحة تستحق أن تكون في مقدمة الاهتمام، ولأنه مدّ إليها يد الدعم، ووعد بتأهيل دارها، فكان في زيارته معنى العصا التي يستعين بها الكفيف على تلمّس الطريق، لا عصا الاتكال، بل عصا السند التي تمنح صاحبها ثقة أكبر في خطواته، وتساعده على مواصلة المسير بكرامة واستقلال
لكن أجمل ما نرجوه أن تتحول هذه الزيارة إلى بداية لعمل مستمر، وأن تجد الوعود طريقها إلى التنفيذ، وأن تصبح دار المكفوفين واقعاً مؤهلاً يحتضن طموحاتهم، وأن تتسع المبادرات لتشمل التدريب والتأهيل وفرص العمل وإتاحة الخدمات، حتى لا تبقى الفرحة التي صنعتها الزيارة ذكرى جميلة فحسب، بل تتحول إلى واقع يلمسه هؤلاء في حياتهم اليومية
إني من منصتي أنظر… حيث أرى…. أن البصيرة ليست في عين ترى، بل في قلب يشعر، ويد تمتد، ومسؤول يدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما فقده، وإنما بما يستحقه من كرامة واهتمام .






