Uncategorizedأخبارمقالات وتقارير

سارة الطيب تكتب: مايسترو الدبلوماسية السودانية في موسكو..

الخرطوم/ فوري نيوز

سارة الطيب تكتب:

مايسترو الدبلوماسية السودانية في موسكو.. محمد الغزالي التيجاني يرسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات السودانية الروسية

تحت ظلال سبعين عاماً من العلاقات الراسخة بين السودان وروسيا، جاءت مشاركة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في القمة الروسية الأفريقية، وما صاحبها من لقاءات ومباحثات وفعاليات متنوعة، لتفتح نافذة جديدة أمام علاقات البلدين، وتدفع بها نحو آفاق أرحب من التعاون والشراكة الاستراتيجية.

ولعل أبرز ما ميز هذه المشاركة أنها لم تكن مجرد حضور في مناسبة دولية أو لقاء عابر بين قيادتي البلدين، بل حملت مؤشرات واضحة على رغبة مشتركة في الانتقال بالعلاقات السودانية الروسية من مربع التعاون التقليدي إلى فضاء الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية ذات المصالح المتبادلة.

وقد عكس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائه بالرئيس البرهان، تقديره لمسيرة العلاقات بين البلدين وتطورها، في إشارة ذات دلالات سياسية ودبلوماسية مهمة، خصوصاً في هذا التوقيت الذي يحتاج فيه السودان إلى توسيع شراكاته الدولية، والاستفادة من إمكاناته وموارده في بناء مسارات جديدة للتنمية والإعمار.

وتبرز أهمية هذه المرحلة في طبيعة الملفات التي طُرحت للنقاش، والتي شملت قطاعات الزراعة والتعدين والطاقة وتطوير سلاسل الإمداد، وهي قطاعات تمثل مفاتيح حقيقية للاقتصاد السوداني، وتفتح في الوقت ذاته آفاقاً للتعاون تتجاوز حدود البلدين إلى القارة الأفريقية، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للسودان وما يمثله من بوابة مهمة نحو أسواق وموارد القارة.

غير أن اللافت في هذه الزيارة أن الحراك المصاحب لها تجاوز الأطر الدبلوماسية المعتادة، وامتد إلى مجالات ثقافية وأكاديمية وإعلامية وشعبية، في مشهد عكس عمق الاهتمام الروسي بالسودان، والرغبة في بناء جسور تواصل تتجاوز العلاقات الرسمية بين الحكومات إلى وجدان الشعوب ومؤسساتها.

وكان من أبرز تلك المشاهد منح رئيس مجلس السيادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الحكومية الروسية للعلوم الإنسانية، وهو تكريم حمل دلالات تتجاوز رمزيته الأكاديمية إلى التعبير عن مستوى الاهتمام الذي حظيت به الزيارة.

كما أضفت اللفتات الثقافية أجواء استثنائية على الفعاليات، خصوصاً أداء النشيد الوطني السوداني باللغة العربية، وتقديم أغنية «أحب مكان وطني السودان»، في مشهد وجد تفاعلاً واسعاً، وتداول السودانيون مقاطعه عبر منصات التواصل الاجتماعي، باعتباره تعبيراً جميلاً عن الحضور السوداني في الوجدان الثقافي الروسي.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد شهدت الزيارة اتفاقية توأمة بين مدينتي سانت بطرسبرغ وبورتسودان، ومذكرة تفاهم للتعاون بين ولاية البحر الأحمر وجامعة سانت بطرسبرغ، إلى جانب اتفاق للتعاون بين تلفزيون السودان وقناة روسيا اليوم، والإعلان عن زيادة المنح الدراسية المقدمة للطلاب السودانيين، فضلاً عن مسارات أخرى للتعاون الأكاديمي والإعلامي والثقافي.

وهنا تبرز حقيقة مهمة؛ فمثل هذا التنوع في مخرجات الزيارة لا يأتي من فراغ، ولا تصنعه المصادفات أو الترتيبات البروتوكولية وحدها، وإنما يقف خلفه عمل دبلوماسي متواصل، ورؤية تستوعب قيمة المناسبة، وتعرف كيف تحول الفرص السياسية إلى مكاسب عملية، وكيف تجعل من اللقاءات الرسمية منصات لإطلاق مبادرات متعددة المسارات.

وفي قلب هذا الحراك يبرز اسم سفير السودان لدى روسيا، السفير محمد الغزالي التيجاني، الذي يستحق تقديراً خاصاً على ما ارتبط بجهده من حيوية في إدارة هذا الملف، وما عكسته الفعاليات من حضور دبلوماسي منظم، وقدرة على تنويع مسارات التواصل والتعاون بين البلدين.

لقد بدا السفير الغزالي، في هذه المناسبة، وكأنه مايسترو يقود أوركسترا دبلوماسية متعددة الإيقاعات؛ فهناك المسار السياسي، والاقتصادي، والثقافي، والأكاديمي، والإعلامي، وكلها تحركت في اتجاه واحد، لتقدم صورة متكاملة عن العلاقات السودانية الروسية، وتؤسس لمرحلة أكثر اتساعاً وثراءً.

وتكمن قيمة هذا الأداء في أنه لم يحصر الدبلوماسية في حدود اللقاءات الرسمية وتبادل المجاملات، بل اتجه إلى صناعة نتائج ملموسة، وإشراك مؤسسات المدن والجامعات والإعلام والثقافة في مشروع توسيع العلاقات الثنائية. وهذه هي الدبلوماسية التي يحتاج إليها السودان اليوم؛ دبلوماسية المبادرة، وحسن قراءة الفرص، والقدرة على بناء المصالح المشتركة، وتوظيف العلاقات الدولية لخدمة قضايا الوطن وأولوياته.

كما أن استحضار البعد الشعبي والثقافي في هذه الزيارة يعكس فهماً عميقاً لطبيعة العلاقات المستدامة؛ فالاتفاقيات الاقتصادية مهمة، والتفاهمات السياسية ضرورية، لكن العلاقات التي تمتد جذورها إلى الجامعات والمدن والمؤسسات الإعلامية والوجدان الثقافي للشعوب تكون أكثر قدرة على الاستمرار والتطور.

ومن الإنصاف هنا الإشارة إلى أن هذا الحراك هو ثمرة عمل مؤسسي وجهود مشتركة بين قيادتي البلدين ومؤسساتهما وفرق العمل المعنية، غير أن الدور الذي يضطلع به السفير في تنسيق هذه المسارات، وتهيئة المناخ لإنجاحها، يظل دوراً محورياً يستحق الإشادة والتوثيق.

إن سبعين عاماً من العلاقات السودانية الروسية ليست مجرد رقم في سجل الدبلوماسية، بل رصيد تاريخي ينبغي البناء عليه. وما شهدته الزيارة من تنوع في المبادرات والاتفاقيات والفعاليات يقدم فرصة مهمة للانتقال بهذا الرصيد إلى مستوى جديد، شريطة متابعة ما تم الاتفاق عليه وتحويله إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ، تحقق مصالح البلدين وتنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.

وهكذا، فإن ما تحقق في موسكو لا ينبغي النظر إليه باعتباره نجاحاً لزيارة عابرة فحسب، بل باعتباره بداية لمسار يمكن أن يؤسس لشراكة أكثر عمقاً واتساعاً بين الخرطوم وموسكو.

أما السفير محمد الغزالي التيجاني، فقد أضافت هذه المحطة إلى رصيده الدبلوماسي صفحة تستحق التوقف عندها؛ إذ قدم نموذجاً لدبلوماسي يدرك أن نجاح السفارات لا يقاس بعدد اللقاءات التي تعقدها، وإنما بما تفتحه من أبواب، وما تنسجه من علاقات، وما تتركه من أثر في مسيرة المصالح الوطنية.

إنها دبلوماسية الحضور والفكرة والإنجاز؛ دبلوماسية تعرف كيف تجعل من المناسبة فرصة، ومن الفرصة شراكة، ومن الشراكة جسراً نحو المستقبل.

فشكراً لكل جهد مخلص وضع السودان في دائرة الاهتمام، وشكراً لكل دبلوماسي جعل من تمثيل الوطن مهمة تتجاوز أداء الواجب إلى صناعة الأثر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى