
بورتسودان .. حكايات من الساحل(١٧)
بقلم : محمود الشين
أعرف ناتاليا منذ سنوات خلت وأرتاد مع مجموعة من الأصدقاء مقهاها الجميل ناحية الخرطوم(٢) ، كانت للأمانة أنموذجا للوافدين الرائعين من أعالي الهضبة.
تحترم القانون ، وتتبع الضوابط المنظمة للمهنة .. تنتقي من الناس والأشياء علي طريقتها ، ولا تبالي بالفضوليين من عشاق الجمال ولو أنهم أهم مصادر دخلها اليومي في بلد ترتفع فيه معدلات التضخم بشكل مخيف.
كانت وقتئذ خلافات الفرقاء السياسيين والعسكريين في أوجها والشارع هادر بشباب يبحث عن أفق جديد.. كنا نري أن بلدنا يوغل عميقا نحو الهاوية بلا كوابح.
تواصلت معي بالأمس لأول مرة منذ إندلاع الحرب المستعرة في بلادنا وأبدت بالغ أسفها لما جري من تطورات وأحداث أفقدتنا خيرة الأنفس والموارد .. جاملتني بلطف كعادة سليلات الأمهرة سادة حضارة أكسوم العريقة.
لكن وهذا هو بيت القصيد – فقد كانت ناتاليا وعلي غير طبيعتها قلقلة مصدومة من الإجراءات التي ستتخذها وزارة الداخلية في قادمات الأيام بشأن الوجود الأجنبي في السودان الجديد كما يحلو للراحل الدكتور جون قرنق دمبيور.
(فجأة سأجد نفسي أجنبية في قلب الخرطوم) ! .. قالت ذلك وهي تضحك : (ولا مش كده يا سيد محمود) .. قلت لها ومن دون أية مجاملة و(عندك إقامة ، جواز سفر ، تصديق من سلطات البلدية وبطاقة صحية و .. ).
ما هذه الحدة ..أهي بسبب الحرب؟ .. تسألني مجددا .. وأجيب : ( ليس هذا فحسب ، بل هو التعامل بالمثل إذ من غير المعقول أن يدفع وبلا رحمة الصغير والكبير ، النساء والأطفال وحتي العجزة والمرضي من السودانيين مائة دولار شهريا إلي بلدكم مقابل الإقامة فيه وأنتم تقيمون هنا بلا مقابل).
وأضفت لها أن ولاية القضارف تستضيف وبحب كبير (٤٨) ألفا من الأثيوبيين الذين يقيمون في ثلاثة مخيمات كبري للاجئين ، هي أم راكوبة التابعة لوحدة دوكة الإدارية بالقلابات الشرقية وبها (٢٢) ألف من قومية التقراي ، الطنيدبه بمحلية المفازة وبها (٢٣) ألف من التقراى كذلك ومخيم بابكري في محلية باسندة ويستضيف(٣) ألف من قومية القمز.
هذه المجموعات السكانية الممتدة أصبحت جزء من نسيج القضارف وبقية مدن شرقنا الكبير.
قالت ناتاليا بعد صمت : (أمسكنالو).. تعني شكرا بالأمهرية.. بيننا كثير من النبل ، لكن لا مجال للعاطفة حين يتعلق الأمر بصميم أمننا القومي.
يبدو أن تلك أولي ردود الفعل الخارجي علي حديث السيد وزير الداخلية اللواء (م) خليل باشا سايرين للصحافيين الأسبوع الماضي ببورتسودان حول ضرورة مراجعة الوجود الأجنبي في السودان.. فعلا أن النار من مستصغر الشرر.






