أخبار

هل يمثّل عبد الله حمدوك مفتاح الحل لإنهاء حـ. ـرب السودان؟

الخرطوم فوري نيوز

بين رمزية مستهلكة وواقع يتجاوز الأشخاص
هل يمثّل عبد الله حمدوك مفتاح الحل لإنهاء حرب السودان؟

تحليل من فوري نيوز

مع تعقّد المشهد السوداني واستمرار العدوان المدعوم اماراتيا ضد السودان ، عاد الترويج اسم عبد الله حمدوك إلى التداول بوصفه “الخيار المدني الجاهز” لإنقاذ البلاد من الانهيار.

غير أن هذا الطرح، الذي يتكرر كلما انسدّ الأفق السياسي، يثير سؤالاً جوهرياً:
هل يمتلك حمدوك فعلاً مفاتيح إنهاء الحـ. ـرب، أم أن استدعاء اسمه لا يتجاوز كونه إعادة إنتاج لوهم سياسي ثبت فشله سابقاً؟
للإجابة، لا بد من التمييز بين الرمزية السياسية التي يتمتع بها الرجل، والقدرة الواقعية على التأثير في حرب تُدار بالسلاح وتُحسم بتوازنات إقليمية ودولية معقّدة.
يُطرح اسم حمدوك باعتباره حلاً محتملاً لعدة أسباب؛ فهو شخصية مدنية غير متورطة مباشرة في العمليات العسكرية، ويتمتع بقبول نسبي لدى المجتمع الدولي، وله خبرة اقتصادية وعلاقات خارجية واسعة، كما يمثل في الوعي الجمعي لبعض النخب رمز “الدولة المدنية”. هذه العوامل جعلته مرشحاً افتراضياً لأي تسوية سياسية، خاصة في نظر العواصم الغربية الباحثة عن شريك مدني مألوف.
لكن هذا الطرح يغفل سؤالاً أساسياً: هل تكفي هذه الصفات لإنهاء حرب وجودية؟
يُحسب لحمدوك أنه يتمتع بشرعية دولية واضحة، وأن اسمه لا يزال مقبولاً لدى المؤسسات المالية والدول الغربية، وهو ما قد يفيد في مرحلة إعادة الإعمار أو فك العزلة. كما أن رمزيته المدنية تمنحه حضوراً نفسياً لدى قطاع من الشارع المتعب من العسكرة. كذلك، فإن عدم تورطه المباشر في قرار الحرب يمنحه هامشاً أخلاقياً في الخطا
غير أن هذه العناصر، على أهميتها الشكلية، تصطدم بحدود قاسية تجعل من حمدوك خياراً غير كافٍ، وربما مضللاً، إذا جرى تقديمه بوصفه “مفتاح الحل”.
أولى هذه الحدود تتمثل في غياب القوة الصلبة.

فالحروب لا تُنهى بالنوايا الحسنة ولا بالقبول الدولي وحده، بل بقرارات تملك أدوات فرضها.

وحمدوك، كغيره من المدنيين، لا يملك سلاحاً، ولا يسيطر على الأرض، ولا يمتلك قدرة إلزام الأطراف المتحاربة بوقف القتال. أقصى ما يمكنه فعله هو اقتراح التسويات، لا فرضها.
الحد الثاني يتمثل في ضعف القاعدة الداخلية المنظمة. فحمدوك لا يقود حزباً جماهيرياً، ولا يمتلك جهازاً سياسياً أو تنظيمياً قادراً على حماية أي اتفاق أو فرضه على الشارع. وهو يعتمد في الأساس على نخب مدنية منقسمة ومشتتة، فقدت كثيراً من ثقة الشارع منذ فشل المرحلة الانتقالية الأولى.
أما الحد الثالث، والأكثر حساسية، فهو تجربة الحكم السابقة. فقد أظهرت فترة رئاسته للحكومة الانتقالية ميلاً واضحاً للتوافقات الهشة، وعجزاً عن مواجهة مراكز القوة، وضعفاً في أدوات الحسم السياسي. تلك التجربة، التي انتهت عملياً بالانقلاب ثم الحرب، خلقت شكوكاً عميقة لدى قطاعات واسعة من السودانيين حول قدرته على إدارة مرحلة أكثر عنفاً وتعقيداً.
على مستوى أطراف الصراع، لا يبدو حمدوك خياراً توافقياً. فالجيش ينظر إليه بريبة، ويراه أقرب للمعسكر المدني المدعوم دولياً منه لشريك سيادي موثوق.

أما قوات الدعم السريع، فقد تقبل به تكتيكياً كواجهة مدنية، لا كصاحب قرار فعلي. فيما تنقسم القوى المدنية نفسها بين داعم ومتشكك ورافض، ما ينفي عنه أي إجماع وطني حقيقي.
القراءة الواقعية تقود إلى خلاصة واضحة:
عبد الله حمدوك يمكن أن يكون جزءاً من مشهد الحل، لكنه لا يمكن أن يكون الحل ذاته.
قد يؤدي دور واجهة مدنية مقبولة دولياً، أو جسر تواصل مع الخارج، أو مظلة انتقالية محدودة زمنياً. لكن إنهاء الحرب يتطلب أولاً توافقاً عسكرياً–إقليمياً، وضغوطاً دولية حقيقية، وصيغة انتقال جديدة تتجاوز أخطاء 2019، وجبهة مدنية موحدة، وهي كلها شروط لا يملك حمدوك وحده توفيرها.

في المحصلة، فإن الرهان على حمدوك بوصفه منقذاً وحيداً يعكس أكثر مما يعكس حلاً:
يعكس يأساً من البدائل، وحنيناً لمرحلة لم تُنجز، وعجزاً عن إنتاج قيادة مدنية جديدة أكثر صلابة.
أما الحقيقة القاسية فهي أن ح، رب السودان أكبر من رجل، وأعمق من حكومة، وأعقد من أن تُحل باستدعاء اسم مألوف من الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى