
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
جدد السودان التزامه بإعلان وبرنامج عمل «ديربان» لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب، بالتزامن مع مشاركته في الاجتماع رفيع المستوى الذي عقدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بمناسبة مرور 25 عاماً على اعتماد الوثيقة، في وقت وضعت فيه الحرب السودانية خطاب الكراهية والتمييز على أساس الهوية في قلب النقاش حول مستقبل البلاد، بعدما اتهم حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي ميليشيا الدعم السريع بارتكاب تطهير عرقي وثقافي واستهداف ممنهج للهوية السودانية.
مواجهة العنصرية:
وشكَّل إعلان «ديربان» وبرنامج عملها منذ اعتمادهما في المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية بجنوب أفريقيا عام 2001، إطاراً دولياً لمواجهة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتصل بها من تعصب، وتصف الأمم المتحدة الإعلان والبرنامج بأنهما خطة عالمية لمكافحة العنصرية، تقوم على اتخاذ إجراءات عملية لتعزيز المساواة وحماية ضحايا التمييز، مع الاعتراف بأن العنصرية ليست مشكلة تخص مجتمعاً بعينه، وإنما هي تحدٍ عالمي يحتاج إلى استجابة مشتركة، كما أن الوثيقة، رغم كونها التزاماً سياسياً غير ملزم قانوناً، تمثل مرجعية مهمة في الجهود الدولية لمناهضة التمييز، وبعد ربع قرن، عادت الأمم المتحدة إلى الوثيقة في اجتماع رفيع المستوى عقد تحت شعار يدعو إلى حشد الدعم العالمي للتنفيذ الكامل والفعّال لإعلان وبرنامج عمل «ديربان».
تأثيرات الحرب:
وتأتي المشاركة السودانية في «ديربان» الجديدة بينما يعيش السودان واحدة من أكثر مراحل تاريخه تعقيداً، حيث لم تعد الهوية والانتماءات الإثنية والجهوية مجرد مكونات اجتماعية، وإنما أصبحت في بعض مسارات الحرب جزءاً من خطاب التعبئة والاستقطاب، فالحرب التي أشعلت ثقابها ميليشيا الدعم السريع لم تخلّف قتلاً ونزوحاً ودماراً للمؤسسات فحسب، وإنما عمّقت أيضاً الشكوك بين مكونات المجتمع، ووسّعت مساحة الخطاب الذي ينظر إلى الآخر من خلال قبيلته أو منطقته أو لونه أو انتمائه، ومن ثم فإن معالجة آثار الحرب لن تكتمل بمجرد إسكات المدافع، لأن السلام الذي لا يعالج جذور الكراهية قد يوقف القتال، لكنه لا يمنع عودة أسباب الصراع.
تحذير خطير:
وحذَّر حاكم إقليم دارفوي مني أكو مناوي في كلمته أمام الاجتماع رفيع المستوى، من خطورة تحول العنصرية وخطاب الكراهية والتحريض إلى أدوات للصراع، وقال إن هذه الممارسات لم تعد مجرد مفاهيم نظرية، وإنما يمكن أن تصبح أسلحة تزهق الأرواح وتهجر الملايين وتدمر المجتمعات، وجدد مناوي اتهامه لميليشيا الدعم السريع بارتكاب جرائم التطهير العرقي والثقافي والاستهداف الممنهج للهوية السودانية، ولم يحصر مناوي معالجة المشكلة في الواقع السوداني وحده، وإنما ربطها بإرث أوسع من المظالم التاريخية، داعياً إلى الاعتراف بالماضي ومعالجة آثاره، ومشيراً إلى ضرورة الاستثمار في الأجيال الجديدة حتى لا تنتقل أحقاد الماضي من جيل إلى آخر، وطرح حاكم إقليم دارفور ثلاثة مسارات لمواجهة العنصرية، تقوم على العدالة التعويضية والمساءلة التاريخية، والاستثمار في التعليم، وترسيخ المسؤولية الدولية لحماية المدنيين وصون التنوع، وجدد مناوي التزام السودان بإعلان وبرنامج عمل «ديربان» وبناء دولة يسودها السلام والعدالة والمساواة.
كسر دائرة الكراهية:
والواقع أن السودان بعد سنوات من الحرب والاقتتال، لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، وإنما إلى معالجة المرارات التي خلفتها الحرب وما سبقها من صراعات، وإعادة بناء علاقة السودانيين ببعضهم على قاعدة المواطنة المتساوية، ويرى مختصون أن تجاوز العنصرية، يصبح مشروعاً وطنياً لا شعاراً دولياً، يبدأ بتجريم التحريض على أساس العرق أو القبيلة، ويمر بإصلاح الخطاب السياسي والإعلامي، ويصل إلى التعليم الذي يستطيع أن يعيد تقديم السودان لأبنائه بوصفه وطناً متعدد الثقافات والأعراق والجهات، لا ساحة صراع بين هويات متنافسة، مشددين على ضرورة تقوم عملية مواجهة خطاب العنصرية داخل أي منظومة سياسية أو عسكرية، على الأدلة والمساءلة الفردية، لا على تحميل جماعة إثنية أو جهوية كاملة مسؤولية أفعال أفراد أو قيادات، فمحاربة العنصرية لا يمكن أن تتم بخطاب عنصري مضاد.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فقد وضعت الأمم المتحدة في الذكرى الخامسة والعشرين «لديربان» قضية العدالة والمساواة والمساءلة في مقدمة الأولويات، مؤكدة الحاجة إلى الانتقال من التعهدات إلى إجراءات عملية، ومن الإفلات من العقاب إلى العدالة، ومن الاعتراف بالمظالم التاريخية إلى جبر الضرر واستعادة الكرامة، ولكي يحوِّل السودان تجربة الحرب من مصدر جديد للانقسام إلى فرصة لإعادة بناء الدولة والمجتمع، فينبغي الاعتراف بأن التنوع السوداني ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، وأن اختلاف الأعراق والقبائل والجهات والثقافات لا ينبغي أن يتحول إلى معيار لتحديد من هو السوداني الكامل ومن هو السوداني الأقل استحقاقاً، ذلك أن الطريق إلى السلام لا يمر فقط عبر طاولة التفاوض، وإنما عبر تفكيك خطاب الكراهية، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإعادة بناء الثقة، وتأسيس دولة لا يكون فيها اللون أو القبيلة أو الجهة جواز مرور إلى الحقوق، أو سبباً للحرمان منها.






