تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
جدّدت الحكومة حرصها على إحكام إدارة قطاع المعادن وتقوية الرقابة على الإنتاج والتداول، وشدد اجتماع مجلس وزير المعادن برئاسة الوزير نور الدائم محمد أحمد طه، على ضرورة الإحاطة بالذهب المنتج وتنظيم عمليات الشراء والصادر، وتفعيل منظومات الرقابة الإلكترونية على التعدين التقليدي، بما يتيح تتبع حركة الذهب من مرحلة الإنتاج وحتى التصدير، إلى جانب تشديد الضوابط القانونية على حيازته وتداوله، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعظيم الاستفادة من الذهب كأحد أهم موارد السودان لدعم جهود التعافي الاقتصادي.
مَخرَج اقتصادي:
والواقع أن قيمة المعدن النفيس تتجلى بوضوح في الراهن الماثل في السودان الذي انهكته آلة الحرب، وتراجعت فيه موارد النقد الأجنبي، ليبقى الذهب أحد الموارد التي يمكن أن تسند جهود التعافي الاقتصادي، الأمر الذي يجعل إحكام الدولة سيطرتها على دورة الذهب قضية تتجاوز حدود وزارة المعادن إلى صميم السياسة الاقتصادية، ولا تكمن المسألة في زيادة الإنتاج وحدها، وإنما في درة الدولة على الإحاطة بالذهب منذ خروجه من باطن الأرض وحتى عوائد تصديره، بحيث لا تتسرب القيمة الاقتصادية في منتصف الطريق، وتبدأ المنظومة من معرفة الكميات المنتجة وتوثيقها، مروراً بتنظيم عمليات الشراء والتصفية والنقل والتداول، وصولاً إلى التصدير والتأكد من دخول حصيلة الصادر عبر القنوات الرسمية، فكلما اتسعت الفجوة بين الإنتاج المسجل والذهب المتداول أو المصدر، اتسعت معها مساحة الفاقد، بينما تؤدي الرقابة المتصلة إلى تحويل الذهب من ثروة مستخرجة إلى مورد اقتصادي معلوم المسار والعائد.
دورة كاملة:
ويكشف اجتماع مجلس وزير المعادن عن اتجاه نحو بناء رقابة لا تتوقف عند مناطق الإنتاج، وإنما تلاحق الذهب في مختلف حلقات دورته، وتشمل هذه الدورة تسجيل ومتابعة الإنتاج في مواقع التعدين، وتنظيم نشاط المشترين، وتوثيق عمليات التصفية والبيع والنقل، وربط البيانات المتعلقة بالإنتاج والتداول والصادر، وصولاً إلى متابعة حصيلة الصادر، وتكتسب هذه الحلقة أهميتها من أن الرقابة الفاعلة لا تعني فقط معرفة كمية الذهب التي ينتجها السودان، وإنما معرفة أين ذهبت هذه الكمية، ومن اشتراها، وكيف تم تصديرها، وأين آلت حصيلتها.
رقابة إلكترونية:
ويأتي التحول الرقمي كأحد أبرز الأدوات التي تسعى وزارة المعادن إلى توظيفها لإحكام الرقابة على قطاع التعدين، خاصة التعدين التقليدي الذي يمثل مساحة واسعة من النشاط الإنتاجي، ومن هنا جاءت مناقشة اجتماع الوزير، عملية اعتماد وتفعيل منظومات الرقابة الإلكترونية بما يسمح بمتابعة الإنتاج بصورة أكثر دقة، إلى جانب الربط الإلكتروني بين الوزارة وأذرعها المختلفة وشركاتها التابعة، ومؤسسات الدولة ذات الصلة، ويرى خبراء اقتصاديون أنه في حال اكتمال هذه المنظومة، فمن شأنها أن توفر قاعدة بيانات أكثر اتساقاً، وتساعد على كشف الفجوات بين الذهب المنتج والمشترى والمصدر، وتحدُّ في الوقت نفسه من الاعتماد على الإجراءات الورقية المتفرقة.
حيازة بدون مستندات
ولم يغفل مجلس وزير المعادن الجانب التشريعي، فأعمل الاجتماع نقاشاً كبيراً حول مقترحاتٍ مهمة لتجريم حيازة الذهب دون مستندات رسمية، أو حيازته بموجب مستندات انتهت مدة سريانها، وتستهدف هذه الخطوة تشديد الضوابط على دورة التداول، وإغلاق منافذ التعامل غير المشروع، بحيث تصبح المستندات جزءاً أساسياً من حركة الذهب منذ لحظة خروجه من مناطق الإنتاج وحتى وصوله إلى الأسواق أو منافذ التصدير، ويبدو أن الاتجاه العام يتجاوز معالجة حالات المخالفة بعد وقوعها إلى محاولة تجفيف البيئة التي تسمح بتسرب الذهب خارج الدورة الرسمية.
خارطة الثروة المعدنية:
وبعيداً عن الذهب وتداوله، وقف الاجتماع على مشروع المسح الجيولوجي الشامل ومراحل تنفيذه، إلى جانب التحديات التي تواجه سير العمل، وتكمن أهمية المشروع في توفير قاعدة معلومات دقيقة عن الموارد المعدنية وتحديد مكامنها، بما يساعد الدولة والمستثمرين على اتخاذ قرارات أكثر دقة، ويفتح المشروع الباب واسعاً أمام حركة استقطاب استثمارات جديدة في قطاع التعدين، ذلك أن المعرفة الدقيقة بما يملكه السودان من موارد، لا تقل أهمية عن القدرة على استخراجها، إذ لا يمكن بناء صناعة تعدينية حديثة على موارد غير موثقة أو بيانات متفرقة.
رسالة المعادن:
ويؤكد وزير المعادن نور الدائم طه أن رسالة وزارته لا تقتصر على زيادة الإنتاج والصادر، وإنما تمتد إلى بناء منظومة متكاملة تحمي موارد البلاد وتصون حقوق المجتمعات المنتجة، وتوفر بيئة جاذبة للاستثمار، ويرى الوزير أن الغاية النهائية هي تحويل الثروة المعدنية إلى قيمة مضافة حقيقية تسهم في إنعاش الاقتصاد وتحسين معاش المواطنين، وتمنح هذه الرؤية إجراءات الرقابة والتحول الرقمي والتشريعات والمسح الجيولوجي معنى يتجاوز العمل الإداري اليومي، باعتبار أن المطلوب في نهاية المطاف هو أن يصبح قطاع التعدين جزءاً من معادلة التعافي، لا مجرد أرقام للإنتاج والصادر.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن تحركات وزارة المعادن وجهودها المستمرة لإحكام الرقابة على الإنتاج والتداول، إنما تستهدف في نهاية المطاف الوصول إلى معادلة مهمة تتمثل في تحقيق إنتاج معروف، وشراء منظم، وتصفية موثقة، وتداول مضبوط، وصادر شفاف، وحصيلة تعود إلى الاقتصاد عبر القنوات الرسمية، فنجاح الدولة في إحاطة الذهب بهذه الدورة المتكاملة يمكن أن يقلل الفاقد، ويعزز موارد النقد الأجنبي، ويمنح قطاع التعدين دوراً أكبر في تمويل تعافي البلاد، وإعادة بناء الاقتصاد.





