مقالات وتقارير

حظر الذهب … استهداف اقتصاد السودان..

فوري نيوز

أصدره الاتحاد الأوروبي وقوبل باستنكار،،

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

بعد يومين فقط من القرار الذي سمّى فيه البرلمان الأوروبي دولة الإمارات كجهة ضالعة في حرب السودان من خلال دعمها لمليشيا دقلو، عاد مجلس الاتحاد الأوروبي ليصعد إجراءاته بإعلان حظر شامل على استيراد الذهب السوداني ومنع تصدير مادتي الزئبق والسيانيد المستخدمتين في استخلاصه، في خطوة قال إنها تستهدف تجفيف منابع تمويل الحرب، لكنها فتحت في الوقت نفسه باباً واسعاً للتساؤلات حول مدى اتساق المقاربة الأوروبية في التعامل مع الأزمة السودانية، خاصةً وأن القرار يمثل تحولاً لافتاً في طبيعة العقوبات الأوروبية، إذ لم يعد يقتصر على استهداف أفراد أو كيانات بعينها، وإنما امتد ليطال أحد أهم القطاعات الاقتصادية في السودان، في مؤشر على انتقال السياسة الأوروبية من معاقبة الأشخاص إلى استهداف الاقتصاد القرار الذي قوبل باستنكار ورفض واسع .

حظر شامل:
وفرض الاتحاد الأوروبي حظراً كاملاً على شراء أو استيراد أو نقل أي ذهب منشأه السودان، كما منع تصدير مادتي الزئبق والسيانيد المستخدمتين على نطاق واسع في عمليات استخلاص الذهب، مع استثناءات محدودة للاستخدامات الإنسانية والصحية، ويهدف القرار كذلك إلى إغلاق الثغرات التي كانت تسمح بوصول الذهب السوداني إلى الأسواق الأوروبية عبر دول وسيطة، في إطار تشديد الرقابة على سلاسل الإمداد المرتبطة بالنزاعات المسلحة.

استهداف اقتصاد:
ويرى مراقبون أن القرار يعكس تحولاً في الرؤية الأوروبية، إذ بات الذهب يمثل أحد أهم الموارد المالية التي تعتمد عليها الدولة، الأمر الذي دفع بروكسل إلى الانتقال من سياسة العقوبات الفردية إلى إجراءات اقتصادية أكثر شمولاً تستهدف أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في السودان، ويحمل هذا التحول دلالات سياسية واقتصادية، باعتباره أول إجراء أوروبي يطال قطاع التعدين بهذه الصورة منذ اندلاع الحرب.

أسئلة مشروعة:
ويكتسب القرار أهمية خاصة لأنه جاء بعد يومين فقط من القرار الذي أصدره البرلمان الأوروبي، وسمّى فيه دولة الإمارات بالاسم لأول مرة منذ اندلاع الحرب باعتبارها داعماً ومسانداً لميليشيا الدعم السريع، منهياً سنوات من تجنب الإشارة إليها رغم الاتهامات التي ظلت تطرحها الحكومة السودانية في المحافل الدولية، غير أن هذا التطور يطرح سؤالاً محورياً: لماذا اتجه الاتحاد الأوروبي إلى فرض حظر على الذهب السوداني، بينما لم يتخذ أي إجراءات اقتصادية بحق الإمارات، التي تُعد من أبرز المستثمرين والمتعاملين في تجارة الذهب السوداني، رغم القرار البرلماني الذي حملها مسؤولية دعم الميليشيا؟، ويرى مراقبون أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مدى اتساق السياسة الأوروبية بين تشخيص أسباب الأزمة واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجتها.

انعكاسات اقتصادية:
ومن المتوقع أن تنعكس هذه الإجراءات على قطاع التعدين السوداني، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني بعد فقدان عائدات النفط عقب انفصال جنوب السودان، كما قد تؤثر على نشاط التعدين الأهلي الذي يوفر مصدر دخل لآلاف الأسر، فضلاً عن تأثيرها المحتمل على حركة الصادرات وتوفير النقد الأجنبي، وفي المقابل، فيما يقلل خبراء اقتصاديون من الخطوة، منوهين إلى أن محدودية التبادل المباشر في الذهب بين السودان والاتحاد الأوروبي قد تدفع المنتجين إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأسواق البديلة.

قرار سياسي:
ويرى سفير السودان لدى بلجيكا ومندوبه بالاتحاد الأوروبي، السفير عبد الباقي حمدان كبير، أن القرار الأوروبي يعكس في جوهره موقفاً سياسياً أكثر من كونه إجراءًا اقتصادياً، معتبراً أن القرار يأتي امتداداً للموقف الذي ظل مجلس الاتحاد الأوروبي يتبناه تجاه الحكومة السودانية منذ اندلاع الحرب، وقال السفير كبير، في إفادته للكرامة إن القرار يقوم على مقاربة تساوي بين القوات المسلحة السودانية، بوصفها المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، وبين ميدليشيا متمردة، وهو ما ترفضه الخرطوم، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يتجنّب توصيف ما جرى باعتباره تمرّداً على الدولة، رغم أن ذلك هو الوصف القانوني الصحيح ، مبيناً أن القرار لن يترك أثراً مباشراً على تجارة الذهب بين السودان والاتحاد الأوروبي، لأن الذهب السوداني لا يصل إلى الأسواق الأوروبية بصورة مباشرة، وإنما يمر عبر مراكز تجارة وصهر عالمية قبل دخوله إلى الأسواق الأوروبية، الأمر الذي يجعل تأثير القرار التجاري محدوداً، بينما تبقى رسائله السياسية هي الأبرز.

احتواء تداعيات:
وربط السفير عبد الباقي حمدان كبير بين قرار حظر الذهب والقرار الذي أصدره البرلمان الأوروبي قبل يومين فقط، معتبراً أن توقيت القرار التنفيذي يبعث برسائل سياسية لا يمكن فصلها عن التطورات التي شهدتها المؤسسات الأوروبية، وقال إن تسمية الإمارات لأول مرة داخل البرلمان الأوروبي جاءت ثمرة جهود دبلوماسية سودانية وتحركات قادتها شخصيات وبرلمانيون ومنظمات حقوقية مناصرة للسودان، مضيفاً أن مجرد ورود اسم الإمارات في القرار البرلماني يمثل تحولاً مهماً يمكن البناء عليه مستقبلاً، ويرى السفير أن قرار مجلس الاتحاد الأوروبي جاء، في تقديره، ليخفف من الأثر السياسي الذي أحدثه قرار البرلمان الأوروبي، مشيراً إلى أن البرلمان لم يكتف بتسمية الإمارات، وإنما طالب أيضاً المجلس الأوروبي باتخاذ خطوات نحو تصنيف ميليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية، وهو المسار الذي لم يتحول حتى الآن إلى إجراءات تنفيذية، وأكد كبير أن مواجهة القرار الأوروبي لا تقتصر على التحرك السياسي، وإنما تتطلب أيضاً تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية، عبر استقطاب شركات أوروبية للاستثمار في قطاع التعدين السوداني، لأن المصالح الاقتصادية كثيراً ما تكون العامل الأكثر تأثيراً في إعادة صياغة السياسات داخل الاتحاد الأوروبي، مبيناً أن التجارب الدولية تؤكد أن الشركات الكبرى تمتلك قدرة مؤثرة على توجيه السياسات عندما تصبح مصالحها الاقتصادية على المحك، الأمر الذي يجعل بناء شراكات اقتصادية مع المستثمرين الأوروبيين أحد أهم أدوات السودان لتعديل المواقف الأوروبية مستقبلاً.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن قرار مجلس الاتحاد الأوروبي يمثل محطة جديدة في مسار العلاقة المعقدة بين السودان والاتحاد الأوروبي، ويفتح الباب واسعاً أمام مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، والجهود التي ستبذلها الحكومة السودانية لتخفيف حدة القرار والاتجاه لبناء شراكات اقتصادية مع مستثمرين وكيانات وواجهات أوروبية لتكون حارساً لبوابة الاقتصاد السوداني حفاظاً على مصالحها .

 

 

#فوري نيوز #الذهب #الإتحاد الأوربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى