مقالات وتقارير

رحمة عبدالمنعم يكتب: البرهان.. الإصلاح أو الطوفان

الخرطوم / فوري نيوز

رحمة عبدالمنعم يكتب :

من يتابع الحملة الشرسة التي تشهدها مواقع التواصل الاجتماعي ضد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تحت هاشتاق «اختانا»، وما يصاحبها من دعوات تطالب برحيله، يدرك أن هناك من يسعى إلى توظيف الأوضاع الاقتصادية الطاحنة ومعاناة المواطنين لتحقيق أهداف تتجاوز المطالب المعيشية، وصولاً إلى شق الصف الوطني وإعادة البلاد إلى مربع الفوضى.

وحملة «اختانا» تقف وراءها غرف تحالف «صمود» أو «القحتجنجويد» وأذرعها الخارجية، خاصة مع كثافة المنشورات والإعلانات الممولة في تطبيقات «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس»، ويبدو أن هناك من يريد إعادة إنتاج شعار «تسقط بس» الذي أدخل بلادنا في دوامة من الأزمات وأوردها موارد الهلاك.

نعم حال البلاد لا يسر، وأوضاع الناس بلغت من البؤس مبلغاً يصعب احتماله، فالحرب أنهكت الاقتصاد، والغلاء طحن المواطنين، والخدمات تردت، والمعاناة اتسعت،وهنا يتحمل رئيس مجلس السيادة المسؤولية في تدارك الأمر، بحكم موقعه ودوره في اختيار القيادة التنفيذية للدولة.

فالإصلاح المطلوب يا سيادة الرئيس يبدأ بقرار شجاع بإقالة حكومة الدكتور كامل إدريس، التي أثبتت الأيام عجزها عن معالجة الأزمات، وتشكيل حكومة طوارئ اقتصادية رشيقة من الأقوياء الأمناء وأصحاب الكفاءة والنزاهة، تكون أولويتها معاش الناس وتأمين احتياجاتهم ومحاربة الفساد، بعيداً عن المحاصصات والمجاملات وتوزيع المناصب لإرضاء هذا وذاك.

ونريد أن نرى خلال ثلاثين يوماً برنامجاً اقتصادياً إسعافياً واضحاً للحكومة الجديدة، يبدأ بضبط الإنفاق الحكومي، وتقليص الامتيازات والمخصصات، وإيقاف الصرف على المظاهر والوفود والمناصب غير الضرورية، وتوجيه الموارد المتاحة لتوفير الدواء والخبز والوقود والكهرباء والمياه، مع وضع جدول معلن لصرف مرتبات العاملين بالدولة ومعالجة متأخراتهم.

وكذلك مراجعة عاجلة لأداء الوزارات والمؤسسات الاقتصادية، وإخضاع المال العام لرقابة صارمة، ومراجعة العقود والمشتريات الحكومية، وإلزام المسؤولين بإعلان ذممهم المالية، وفتح ملفات الفساد دون حصانات أو مجاملات، فالبلاد التي تخوض حرباً وجودية لا تحتمل أن يتحول المال العام إلى غنيمة للمحظوظين والمقربين.

وخطورة حملة «اختانا» تكمن في احتمال انضمام الجوعى والمكتوين بنيران الغلاء إليها، فالجوع كافر وكما قالت الكاتبة آميلي نوثومب: «في الجوع ثمة ديناميكية تحول دون قبول المرء الجائع بحاله»، وحين يصل المواطن إلى مرحلة يصبح فيها «كل الحلم رغيفة»، فإن الشعارات الوطنية وحدها لن تسد رمقه، ولن يكون بمقدور الدولة احتواء غضب الجياع إذا انفجر.

سيادة الرئيس لا نريد لبلادنا التي تخوض حرباً وجودية أن تنزلق مجدداً إلى دوامة الفوضى، وأن يعود تجار الشعارات و«عيال المنظمات» و«ناس جعفر سفارات»و«السانات والراسطات» وهواة الاستقواء بالخارج لاستثمار أوجاع الناس، والطريق إلى قطع الطريق أمام هؤلاء يبدأ من إصلاح الحكم، وإبعاد الفاسدين والمتردية والنطيحة الذين يحيطون بك، واختيار رجال دولة يعرفون قيمة المسؤولية ومعاناة المواطن.

سيادة الرئيس لا تغرنك الجماهير التي تخرج لاستقبالك في المدن والقرى، ولا الذين يكتبون دعماً لك في مواقع التواصل الاجتماعي، فهؤلاء يدعمون في المقام الأول رمزية الجيش الذي تقوده وهو يخوض حربه ضد مليشيات الجنجويد، وهذا الدعم ليس تفويضاً مفتوحاً لشخصك أو لحكومة تعجز عن توفير ضروريات الحياة.

لقد صبر الشعب السوداني على سبع سنوات عجاف، وذاق مرارة الحرب والنزوح والتشرد والفقد، وتحمل ما تنوء بحمله الجبال، وقد آن الأوان أن يرى ثمرة صبره في إصلاح جاد يخفف معاناته.

سيادة الرئيس البرهان، افعلها اليوم قبل الغد، وأقِل حكومة الدكتور كامل إدريس، واختر القوي الأمين لرئاسة الوزراء، وحدد للحكومة التنفيذية الجديدة التي سيتولى رئيس وزرائها اختيار أعضائها، مهلة مائة يوم لتقديم نتائج ملموسة في معاش الناس، واجعل استمرار الوزراء في مناصبهم مرهوناً بما يحققونه من إنجاز.

وتذكر نصيحة أستاذنا ضياء الدين بلال للرئيس السابق عمر البشير: «كن قائداً للتغيير لا هدفاً له»، فالتاريخ القريب مليء بالعبر، والجماهير التي تصفق اليوم قد تخرج غداً تردد مع حاتم حسن الدابي: «وقف أوعى تواصل سيرك».

سيادة الرئيس.. المطلوب قرارات لا خطابات، وإنجازات لا وعود، وحكومة تخدم الناس وتُحاسَب أمامهم…الإصلاح اليوم ضرورة لإنقاذ البلاد من كارثة جديدة، والفرصة لا تزال أمامك.. فإما أن تقود الإصلاح، أو يسبقك الطوفان!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى