مقالات وتقارير

سارة الطيب تكتب: الحكمة قطرية.

فوري نيوز

سارة الطيب تكتب: الحكمة قطرية.

 

منذ سنوات وعينا الأولى، طالما أحببنا دولة قطر وعشقنا دوحة الخير.

وكانت بوابتنا الأولى إليها شغفنا بمجلة “الدوحة” الثقافية، التي شكلت ملتقىً للإبداع العربي، وقدمت لنا الإبداع الإنساني عبر ترجماتٍ من كنوز المعرفة، فشكّلت جسراً مهماً للتلاحم الثقافي بين العرب في مختلف دولهم.

وكان لنصيب عشقنا بُعدٌ آخر، إذ إن بنيانها الثقافي السامق كانت فيه بصمتنا السودانية عبر الأديب الراحل محمد إبراهيم الشوش، الذي ترأس تحرير هذه المجلة لسنوات عديدة، وكان أحد أهم رموز الحداثة النقدية في الوطن العربي.

كبرتُ على شاشة قناة الجزيرة، ولم تكن مجرد قناة إخبارية بل مدرسة يومية شكلت وعيّ العربي وجيلنا من الإعلاميين. تعلمنا منها أن الخبر ليس مجرد حدث عابر، بل مسؤولية؛ وأن الحقيقة يمكن أن تُمنح صوتًا قويًا حتى في أصعب الأوقات. ولعنا بالجزيرة لم يكن إعجابًا عابرًا، بل امتنانًا لقناة ساهمت في توجيه مسار الصحافة العربية، وألهمتنا لنبحث أعمق، نسأل أكثر، ونؤمن بأن الإعلام قادر على تغيير طريقة فهمنا للعالم. في زمن كانت فيه الأخبار خافتة الصوت، قدمت الجزيرة منبرًا للحقائق، وعلّمتنا أن الجرأة في نقل المعلومة والإيمان بالقوة الكامنة للكلمة والصورة هما أساس الإعلام الحقيقي.
ومن هذه البوابة تفتحت أعيننا على رؤية قطر أيقونةً للوعي والحكمة العربية. وما دفعني لكتابة هذه المقدمة هو الكلمات التي خطها رئيس الوزراء القطري الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، بكل حكمة وشجاعة ووعي، والنيران تشتعل في الخليج بفعل التوترات والحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، والتي يحرّك خيوطها الصهاينة.

فالهدف – كما يبدو واضحاً – هو تدمير قوة المسلمين في دول الخليج، بدفعهم بأي شكلٍ كان للدخول في حرب مباشرة مع إيران.

فقد كتب الشيخ حمد بن جاسم في حسابه عبر منصة «إكس»:
“إن الاشتباك المباشر بين دول مجلس التعاون وإيران، إن وقع، سيستنزف موارد الطرفين، وسيتيح الفرصة لقوى كثيرة للتحكم بنا بحجة مساعدتنا للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف. ولذلك فإن من المهم تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران.”

ويضيف:

“هناك قوى تريد أن تشتبك دول المجلس مباشرة مع إيران، وهي تعلم أن الاشتباك الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى سينتهي. وعلينا كذلك أن ندرك أنه بعد انتهاء هذه المعركة، التي أريد لها أن تندلع قبل اكتمال مسارات السلام التي كنا نعول عليها لتجنب الصراع، ستكون هناك قوى جديدة في المنطقة، وسيكون لإسرائيل نفوذ أكبر على منطقتنا.”

وتابع قائلاً:

“ومن هنا فإنه ليس أمام دول المجلس إلا أن تكون بمثابة يدٍ واحدة موحدة لمواجهة أي اعتداء عليها، ورفض أي محاولة لفرض الإملاءات عليها أو ابتزازها. ولن تستطيع دولنا تجنب تلك المخاطر إلا باتفاقٍ قوي ومتين وواضح، لا تشوبه مواقف أو آراء خفية لا تُطرح علناً على الطاولة، حتى لا تكون مدخلاً لمن يريد الزج بنا في النزاعات وابتزازنا جميعاً.”

أي شجاعةٍ هذه، وأي قوة وحكمة ووعي!

وها هي الأيام – وبسرعة – تكشف ملامح المخطط الرامي إلى جرّ العرب نحو حرب مباشرة. فقد خرجت تقارير عبرية في وسائل إعلام مثل The Jerusalem Post وIsrael Hayom وKan 11 تتحدث عن ضربة استهدفت محطة لتحلية المياه داخل إيران، مع تسريبات تشير إلى تورط الإمارات في العملية.

لكن المفارقة أن أبوظبي سارعت إلى النفي عبر تصريحات رسمية، مؤكدة أن الإمارات لم تشن أي هجوم على إيران، وأنها لا تتخفى خلف تسريبات إعلامية.

وهنا تتضح الصورة الأكبر:

فما يجري ليس مجرد تضارب روايات، بل محاولة واضحة لفتح جبهة خليجية في الحرب. فالصهاينة اليوم في مأزق حقيقي، مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية على واشنطن لوقف الحرب، وهو ما قد يتركهم دون تحقيق ما كانوا يطمحون إليه من نصرٍ سريعٍ وكاسح.

ولهذا يحاولون توسيع رقعة الحرب إقليمياً عبر إدخال الخليج مباشرة في مواجهة مع إيران. غير أن جرّ الخليج إلى هذه المعركة ستكون له تبعات خطيرة، أولها – كما قال الشيخ حمد – استنزاف المنطقة، وهو بالضبط ما يريده العدو الصهيوني.

لكننا، بالوعي والحكمة التي نثق بها، نؤمن بأن قادة بوعي الشيخ حمد، والقيادة القطرية، ومعهم قادة دول الخليج، لن ينجرّوا خلف هذه المخططات التي تستهدف تدمير المنطقة ثم الانفراد بدولها دولةً بعد أخرى.

إن المنطقة اليوم بحاجة إلى وحدة عربية حقيقية؛ فالعرب مطالبون بأن يتحدوا لا أن يدمر بعضهم بعضاً، حتى لا يكونوا لقمة سائغة للآخرين.
والرسالة هنا أيضاً إلى دولةٍ الإمارات التي ما زالت تتورط – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – في محاولات العبث باستقرار السودان وإضعاف دولته: كفّوا أيديكم عنا. فالسودان لم يكن يومًا عدوًا لأحد، ولم يمد يده إلا بيضاء صادقة، حاملةً نية التعاون والأخوة وحسن الجوار. غير أن الصبر على الأذى لا يعني العجز، وضبط النفس لا يعني القبول بالاستهداف. فالسودان الذي اختار دائمًا طريق الحكمة والحوار، لن يقبل أن يُستباح أمنه أو أن يُتلاعب بمصير شعبه. والأجدر بالجميع أن يدرك أن الأوطان التي عرفت معنى الصبر تعرف كذلك متى تدافع عن كرامتها وسيادتها.

 

قطر
#الدوحة
#سارة_الطيب
#حمد_بن_جاسم
#الخليج
#إيران
#السياسة_الدولية
#الشرق_الأوسط
#الإعلام_العربي
#الجزيرة
#الرأي_والتحليل
#فوري_نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى