مقالات وتقارير

موت التعليم في وجدان أمة: حين يصبح الجهل إرثاً تتوارثه الأجيال

الخرطوم/ فوري نيوز

د. الهادي عبدالله أبوضفائر

سألني أحد ماذا وجدت في ظلمة النفق؟ قلت: وجدت شهادة وفاة مؤجلة. ثم وقعت عيناي على مشهد تمنيت لو لم أره قط جثة التعليم ملقاة على الأرض بلا كفن ولا مشيّعين كأنها لم تكن يوماً روح أمة وذاكرتها وكأن موتها لم يستحق حتى أن يتوقف أحد ليواريها الثرى.

توقفت أمام المشهد وسألت: لماذا تُركت هكذا؟ قالوا: لعلها تكون عبرةً للناس! قلت: وإذا كانت رائحتها قد أفسدت المكان فلماذا لا تحنّطونها على الأقل، لعل الناس يتذكرون ما كانت عليه وما الذي أوصلها إلى هذا المصير؟.

جاءني الرد موجعاً: كان للتعليم في زمانه رائحة طيبة حين كان المعلم رسول معرفة، يبذل صوته وجهده ليترك في عقول تلاميذه ما تعجز الأموال عن شرائه. كان يؤدي رسالته بضمير، ويعدّها أمانة أخلاقية قبل أن تكون وظيفة. لم تكن المعرفة سلعة، ولا الكتاب المدرسي بضاعة نادرة ولا الامتحان مشروعاً تجارياً ولا ذاكرة التلميذ سوقاً مفتوحة لمذكرات تُباع بملايين الجنيهات.

كان للتعليم علاقة أمانة بين معلم يمنح المعرفة وتلميذ يتلقى العلم. كان الكتاب المدرسي متاحاًً والمنهج مرجعاً للتعلم. لم يكن المعلم يترك تلاميذه رهائن للدروس الخصوصية، ليبيعهم في المساء ما وجب عليه تعليمهم في الصباح أو يجعل شراء مذكراته وسيلة للتأثير في فرص نجاحهم.

حين تتراجع الدولة عن ضمان التعليم، يفقد المجتمع أحد أهم جسور العدالة وتكافؤ الفرص. عندها يصبح التعلم امتيازاً لمن يملك ثمنه، بينما يُترك أبناء الفقراء لمواجهة تعليم حكومي أنهكه الإهمال، فيتحول ما كان ينبغي أن يحررهم من قيود الفقر إلى امتداد آخر لها.

الإنصاف يقتضي ألا نحمّل المجتمع وحده تبعات هذا التدهور فالدولة تتحمل مسؤولية جوهرية حين أضعفت المعلم بتدني راتبه، وأهدرت مكانته بتركه أسيراً لأعباء الحياة، واختزلت التعليم في بند من بنود الإنفاق، متجاهلة أنه الاستثمار الذي تُبنى به الدول. غير أن المجتمع لم يكن بمنأى عن المسؤولية. فقد أسهم بصمته وتراجعه عن الدفاع عن قيمة التعليم في اتساع الخلل.

أتذكر حين يصل المعلم إلى القرية، يتحول أهلها إلى أسرة واحدة تتقاسم معه الخبز والاحتياجات، ويحرصون على توفير ما يستطيعون توفيره. لم يكونوا يفعلون ذلك لأنهم يملكون فائضاً من المال، وإنما لأنهم كانوا يدركون أن المعلم يحمل لأبنائهم فرصة الخروج من ضيق الواقع إلى رحابة المعرفة. كانت القرية تعرف قدر المعلم حتى عندما تعجز الدولة عن الوفاء بحقه.

لكن علينا أيضاً ألا نحول الماضي إلى أسطورة خالية من العيوب، ولا أن نحمّل المعلم وحده وزر انهيار منظومة كاملة. فالمعلم إنسان، وله حقوق واحتياجات، ومن الظلم أن نطالبه بالتضحية الأبدية بينما تتنصل المجتمع والدولة من واجباتهم. غير أن ثمة فارقاً أخلاقياً جوهرياً بين المطالبة بحقوق المهنة وتحويل حاجة التلميذ إلى فرصة للاستغلال التجاري.

عرفنا معلمين لم تكن الثروة جزءاً من أحلامهم المهنية، ولم يتركوا وراءهم عمارات ولا أرصدة مصرفية، لكنهم تركوا أثراً في العقول والضمائر وأجيالاً تدين لهم بما وصلت إليه. كانوا يحملون هم أبناء الفقراء، ويدفع بعضهم رسوم التلاميذ الذين عجزت أسرهم عن الوفاء بها. لم يكونوا أغنياء بالمال لكنهم كانوا أغنياء بالقيم الذي يجعل الإنسان جديراً بأن يُذكر بعد موته.

أولئك هم الذين يستحقون أن نطلق عليهم رسل المعرفة، لأنهم فهموا أن التعليم فعل تغيير اجتماعي، وأن مهمتهم تتجاوز تلقين المعلومات إلى تحرير العقل من الجهل، وتحرير الإنسان من الخوف، وإكسابه القدرة على السؤال والمراجعة والاختيار.

التعليم لا يموت عندما تغلق المدرسة أبوابها فحسب، وإنما يموت عندما تفقد المعرفة قدرتها على تحرير العقل، وعندما يتحول النجاح إلى شهادة ورقية ويتحول المعلم إلى بائع للمذكرات والطالب إلى مستهلك للمعلومات والامتحان إلى صفقة والمدرسة إلى مؤسسة تجني أموال وتمنح أوراقاً أكثر مما تصنع عقولاً.

هذه جريمة تتعدد أطرافها، وإن تفاوتت مسؤولياتهم. فالمنظومة الاقتصادية تتحمل العبء الأكبر، إذ صنعت بيئة الإفقار وحوّلت التعليم من حق أصيل إلى سلعة تحكمها القدرة على الدفع. وتليها الدولة بمسؤوليتها عن إهدار حقوق المعلم والتلميذ، ثم المؤسسات التي انتفعت من اختلال المنظومة وبعض المعلمين الذين فرّطوا في أمانة رسالتهم واستغلوا حاجة طلابهم. أما المجتمع، فلا يخلو من مسؤولية بقدر ما تساهل مع الانحدار أو صمت عن مقاومته.

غير أن العدالة لا تساوي بين من صنع أسباب الجريمة، ومن نفذها، ومن انتفع بها ومن عجز عن منعها وإنما تحاسب كل طرف بقدر سلطته وإرادته وأثره. فليس كل صامت شريكاً ولا كل عاجز متواطئاً، لكن من امتلك القدرة على الإصلاح وآثر مصالحه على مستقبل الأجيال لا يستطيع الاحتماء بادعاء البراءة.
abudafair@hotmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى