إعداد: د. معاذ شرفي
*استشاري الصحة النفسية – التعافي المجتمعي*
*الخرطوم – نوفمبر 2026م*
*المقدمة:*
تُعتبر ظاهرة النميمة والقطيعة الاجتماعية من أكثر السلوكيات تعقيداً في النسيج البشري؛ فهي ليست مجرد ممارسات لغوية عابرة، بل هي أعراض وتجليات سيكولوجية تنبع من أعماق البناء النفسي للشخصية، وتؤثر بعمق على الصحة النفسية لكل من الممارس والضحية والمجتمع ككل.
*أولاً: الأبعاد النفسية للنميمة (لماذا يمارس الإنسان النميمة؟)*
من منظور علم النفس الاجتماعي والديناميكي، لا تخرج النميمة عن كونها وسيلة دفاعية أو تعويضية لتلبية حاجات نفسية غير مشبعة:
*1. التعويض عن النقص الداخلي (عقدة النقص):*
وفقاً لأطروحات ألفريد أدلر، غالباً ما يلجأ الشخص الذي يعاني من شعور عميق بالدونية إلى تسليط الضوء على عيوب الآخرين. إن النيل من الآخرين يمنحه وهماً مؤقتاً بالتفوق، وكأنه يقول لنفسه: “بما أنهم سيئون، فأنا في وضع أفضل”.
*2. القبول الاجتماعي والانتماء:*
تعتبر النميمة “عملة اجتماعية” تُشترى بها العضوية داخل جماعة. تبادل الأسرار والحديث عن الغائبين يُنشئ رابطة زائفة وسريعة من الألفة، يشعر المشاركون بأنهم جزء من “دائرة خاصة”، مما يشبع حاجتهم للانتماء.
*3. التنفيس عن العدوانية المكبوتة:*
عندما يشعر الفرد بالغضب تجاه شخصية لا يستطيع مواجهتها مباشرة خوفاً أو ضعفاً، يتحول هذا الغضب إلى عدوان غير مباشر. تُعتبر النميمة هنا متنفساً آمناً لتفريغ شحنات الغل والحسد دون تحمل عواقب المواجهة.
*4. تدني تقدير الذات والإسقاط النفسي:*
الشخص الذي يفتقر إلى إنجازات حقيقية يبحث عن قيمته في مقارنة نفسه بالآخرين. الحديث عن عيوبهم هو محاولة لتشتيت الانتباه عن فراغه الداخلي وإسقاط عيوبه على الآخرين.
*ثانياً: الأبعاد النفسية للقطيعة (لماذا يقطع الإنسان غيره؟)*
القطيعة تمثل غالباً استراتيجية حماية نفسية، ولكنها قد تكون مؤشراً على اضطراب في مهارات التكيف:
*1. آلية الدفاع بالانسحاب:*
عندما تتعرض الحدود النفسية للانتهاك أو يتعرض للخيانة المتكررة، قد يختار القطيعة كدرع واقٍ. إنها محاولة جذرية لتقليل التوتر واستعادة السلام الداخلي عبر إلغاء مصدر التهديد.
*2. الجمود العاطفي وصعوبة العفو:*
قد تنتج القطيعة عن تضخم الأنا والتعنت النرجسي؛ حيث يرفض الفرد تقديم أي تنازل لأنه يعتبر ذلك مساساً بكرامته. هذا النوع من القطيعة يغذي القسوة ويخلق شعوراً ممتداً بالمرارة.
*3. تفريغ الطاقة السلبية عبر المقاطعة:*
في بعض الأحيان، يقطع الإنسان محيطه هرباً من مواجهة ذاته؛ فالمحيطون غالباً ما يكونون مرآة تعكس لنا عيوبنا. الهروب منهم هو هروب مؤقت من مواجهة الحقائق المؤلمة.
*ثالثاً: التأثيرات النفسية المتبادلة*
*أ. على الشخص النمام / القاطع:*
– *فقدان الأمان الداخلي:* يعيش في قلق مستمر وبارانويا اجتماعية، خائف أن يفعله الآخرون به.
– *التآكل الوجداني:* القطيعة المستمرة تفقد الإنسان القدرة على التعاطف العميق وتغرق الروابط في السطحية.
*ب. على البيئة المحيطة (الأسرة والمجتمع):*
تنشر النميمة مناخاً من الارتياب والتوتر الجماعي، حيث يدرك الجميع أن الغائب مستباح، مما يقوض قيم الأمان النفسي والانتماء الجماعي، وهو أمر بالغ الضرر في البيئات التي تحتاج إلى التضامن خاصة بعد الحرب.
*رابعاً: العلاج وإعادة البناء النفسي*
*1. الوعي الذاتي (اليقظة الذهنية):*
مراقبة الأحاديث اليومية، وسؤال النفس: “ما هي الحاجة النفسية التي أحاول تعويضها الآن؟ هل هو شعور بالنقص أم رغبة في لفت الانتباه؟”
*2. بناء الهوية الذاتية المستقلة:*
التركيز على الإنجازات الشخصية وتطوير الذات، مما يغني الإنسان عن الانشغال بحياة الآخرين.
*3. تطوير مهارات الذكاء العاطفي ووضع الحدود:*
استبدال النميمة بالمواجهة البناءة أو الصمت الواعي، واستبدال القطيعة المطلقة بوضع حدود صحية واضحة (Healthy Boundaries) دون الدخول في قطيعة قطعية ومدمرة.
*الخلاصة: النميمة تبحث عن قيمة مزيفة في عيوب الناس، والقطيعة تبحث عن سلام مزيف في هجر الناس، والشفاء الحقيقي يبدأ عندما يجد الإنسان قيمته وسلامه في داخله.*
—






