هل يقود بولس الملف السوداني.. أم تنفذ واشنطن أجندة أبوظبي
تقرير:فوري نيوز
في ظل تصاعد التحركات الدولية بشأن الأزمة السودانية، يبرز اسم مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، باعتباره أحد أبرز الوجوه الأمريكية المنخرطة في مساعي واشنطن لإنهاء الحرب في السودان.
منذ تعيينه مستشاراً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، أثار مسعد بولس تساؤلات واسعة في الأوساط السودانية حول طبيعة الأجندة التي يحملها. فالتطابق شبه الكامل بين رؤيته للحرب السودانية والرؤية الإماراتية، ليس فقط في الجوهر بل في التفاصيل والصياغات، يدفع إلى سؤال مشروع: هل يقدم بولس السياسة الأمريكية في السودان، أم أنه يدير أجندة إماراتية بغطاء أمريكي؟ هذا التقرير يحلل أوجه هذا التطابق، مستنداً إلى مواقف موثقة لدولة الإمارات من جانب، ومسعد بولس من جانب آخر.
سردية الحرب.. “طرفان متساويان”
منذ اندلاع الحرب في السودان، عملت الإمارات على ترويج سردية تقوم على أن الصراع هو حرب بين “طرفين متساويين”، لا عدوان من مليشيا مدعومة خارجياً على دولة شرعية. هذه السردية تخدم هدفاً استراتيجياً واضحاً: رفع المليشيا إلى مرتبة الند السياسي للدولة، تمهيداً لفرض تسوية تقوم على تقاسم السلطة بين “الطرفين”.
مسعد بولس تبنى هذه السردية بصورة شبه كاملة. ففي كل مبادراته وتصريحاته، يحرص على استخدام لغة “الطرفين” المتكافئة، ويتجنب أي توصيف أخلاقي يميز بين الجيش الوطني والمليشيا. وحين طرح في مجلس الأمن توسيع حظر السلاح ليشمل “الجيش السوداني والدعم السريع” معاً، كان يكرر حرفياً المنطق الإماراتي: لا فرق بين الضحية والجلاد، وكلاهما يستحق المعاملة نفسها.
هذه المقاربة ليست بريئة. فهي في جوهرها اعتراف ضمني بشرعية المليشيا، وانتزاع للشرعية من الدولة. وحين تنادي الإمارات بأن “لا حل عسكرياً للأزمة”، فإنها تعني أن المليشيا يجب أن تبقى كلاعب سياسي، وأن الجيش يجب أن يتوقف عن تحقيق الانتصارات. بولس كرر هذا الموقف نفسه في أكثر من مناسبة، مطالباً بوقف إطلاق النار دون الحديث عن انسحاب المليشيا من المدن التي احتلتها.
فزاعة الإسلاميين
من أبرز ملامح التطابق بين بولس والإمارات هو التركيز المبالغ فيه على “الخطر الإسلامي” في السودان. فالإمارات، التي تروج للحرب على أنها مواجهة بين “إسلاميين” و”مدنيين”، تجد في هذه السردية وسيلة لتشويه الحكومة السودانية والجيش، وتصويرهما كامتداد لجماعة الإخوان المسلمين.
بولس التقط هذه السردية ووظفها بذكاء. ففي مبادراته، يصر على “استبعاد الإسلاميين” من أي تسوية سياسية مستقبلية، وهي العبارة التي ترددت في خطة السلام التي أعلنها في فبراير 2026. وحين يتحدث عن “انتقال سياسي مدني”، فهو يستخدم لغة تتناقض ظاهرياً مع “الإسلاميين”، لكنها في الجوهر تصب في التوجه الإماراتي نفسه: إقصاء قوى سياسية بعينها، وفرض نخب مدنية مرتبطة بالمحور الإماراتي.
هذا التطابق في استخدام “فزاعة الإسلاميين” ليس صدفة. فهو يخدم هدفين متكاملين: من ناحية، يزود الإمارات بغطاء أيديولوجي لموقفها من الحرب، ومن ناحية أخرى، يمنح بولس مبرراً لفرض رؤية سياسية تستبعد أطرافاً لا تقبل بها الخرطوم.
تضخيم “صمود”.. خلق البديل السياسي الجاهز
منذ بداية الحرب، عملت الإمارات على رعاية تحالف “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك، وتقديمه كبديل مدني جاهز لتولي السلطة في السودان. هذا التحالف، الذي وُلد من رحم “قوى الحرية والتغيير” (قحت)، ظل على علاقة وثيقة بأبوظبي، رغم أن هذه العلاقة أثارت رفضاً واسعاً في الشارع السوداني، الذي يرى في “صمود” حاضنة سياسية للمليشيا.
مسعد بولس تبنى هذا التوجه بصورة كاملة. ففي كل مقترحاته، يصر على أن أي تسوية سياسية يجب أن “تقودها القوى المدنية”، وهي صياغة تعني عملياً تحالف “صمود” وحلفاءه. كما أن خطته للسلام، التي أعلنها في فبراير 2026، ركزت على “انتقال سياسي مدني مستقل عن طرفي الحرب”، وهي الفكرة نفسها التي تروج لها الإمارات باستمرار.
والأخطر أن بولس لا يكتفي بتضخيم دور “صمود”، بل يعمل على استبعاد أي قوى سياسية أخرى لا تتفق مع الأجندة الإماراتية. فحديثه عن “استبعاد الإسلاميين” يعني عملياً إبعاد كتلة سياسية واسعة، وإحلال “صمود” وحلفائها مكانها، في سيناريو يذكر بمحاولات إعادة هندسة المشهد السياسي التي تمارسها الإمارات في أكثر من دولة عربية.
تأييد إماراتي مطلق.. علاقة تتجاوز المصادفة
العلاقة بين بولس والإمارات ليست علاقة تقاطع في الرؤى فحسب، بل هي علاقة تأييد مطلق. فمنذ أن ظهر بولس على المسرح السياسي الأمريكي، حرصت الإمارات على دعم كل مبادراته المتعلقة بالسودان:
· في سبتمبر 2025، شاركت الإمارات في “الرباعية” التي كان بولس أحد مهندسيها، ووصفت بيانها المشترك بأنه “خطوة تاريخية”.
· في 24 نوفمبر 2025، التقى عبد الله بن زايد مع بولس في أبوظبي، وأكدت الإمارات دعمها الكامل لمساعي إدارة ترامب.
· في 8 فبراير 2026، أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية رسمياً ترحيبها بـ”خطة السلام الشاملة للسودان” التي أعلنها بولس، في أوضح موقف داعم ممكن.
· وفي كل مرة يطرح فيها بولس فكرة “الهدنة الإنسانية” أو “وقف إطلاق النار الفوري”، تسارع الإمارات إلى تبنيها وتكرارها.
هذا التأييد المطلق ليس مجرد توافق دبلوماسي، بل هو مؤشر على وجود قناة تنسيق مباشرة بين بولس وأبوظبي، تجعل من الصعب الفصل بين ما هو أمريكي وما هو إماراتي في الملف السوداني.
بولس في مجلس الأمن.. تكرار النغمة الإماراتية
عندما وقف مسعد بولس، بالأمس، في جلسة مجلس الأمن الأخيرة ليطرح توسيع حظر السلاح، كان يكرر حرفياً الموقف الإماراتي الذي سبق أن أعلنته مندوبة الإمارات أمام المجلس نفسه. فالتطابق بين الطرحين لم يكن في الجوهر فقط، بل في التوقيت والصياغة. مندوبة الإمارات أعلنت صراحة: “ندعم مشروع القرار الأمريكي الذي تقدم به مسعد بولس”. هنا لم يعد الحديث عن تطابق في الرؤى، بل عن علاقة مباشرة وعلنية بين بولس والإمارات، حيث تتبنى أبوظبي مقترحاته وتدعمها في المحافل الدولية.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بولس، في معرض حديثه عن حظر السلاح، لم يذكر الممرات التي تصل عبرها الأسلحة إلى المليشيا، ولم يتحدث عن دور الإمارات في هذا الملف. هذا الصمت الانتقائي، في وقت يتحدث فيه عن “وقف تدفق السلاح”، يثير الشبهات حول نواياه الحقيقية: هل يريد وقف السلاح عن الجميع، أم يريد وقف السلاح عن الجيش السوداني بينما تظل إمدادات المليشيا مستمرة عبر ممرات يعرفها الجميع؟
ويزداد المشهد إثارة للأسئلة حين ننظر إلى خلفية الرجل نفسه. فمسعد بولس ليس دبلوماسياً محترفاً خرج من أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، بل هو رجل أعمال أمريكي من أصل لبناني، بنى ثروته وعلاقاته في عالم التجارة والأسواق قبل أن ينخرط في السياسة. هذه السيرة الذاتية ليست تفصيلاً هامشياً، بل هي مفتاح لفهم الطريقة التي يدير بها الملفات السياسية.. فحين يجد هذا التاجر نفسه ممسكاً بملف حرب مشتعلة، تتدفق فيه مليارات الدولارات عبر صفقات السلاح والذهب والإغاثة، يصبح من المشروع التساؤل: هل يدير بولس ملف السودان بعقلية رجل الدولة، أم بعقلية رجل الأعمال؟ وحين نرى التطابق شبه المطلق بين مقترحاته والمواقف الإماراتية، يصبح من المنطقي طرح السؤال: هل ثمة مصالح خاصة تحرك هذا الدبلوماسي التاجر؟ ليس هناك أدلة مادية منشورة تثبت وجود مصالح مباشرة بين بولس وأبوظبي، لكن غياب الدليل لا يعني غياب السؤال. ففي عالم السياسة والمال، كثيراً ما تسبق المصالح الأدلة، وتختبئ الأجندات خلف الشعارات.
من يضع السياسة الأمريكية في السودان؟
التطابق بين مسعد بولس والإمارات في الملف السوداني لم يعد مجرد تطابق في الرؤى، بل أصبح شبه تطابق مطلق في السردية والأهداف والآليات. فمن سردية “الطرفين المتساويين”، إلى فزاعة الإسلاميين، إلى تضخيم “صمود”، إلى السكوت عن مصادر تسليح المليشيا، يبدو بولس كأنه ينفذ أجندة إماراتية بواجهة أمريكية.
وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كانت السياسة الأمريكية في السودان تخدم الأجندة الإماراتية بهذا الوضوح، فمن يصنع القرار في واشنطن؟ هل هو البيت الأبيض، أم أبوظبي؟ أم أن أبوظبي هي الذراع وواشنطن تحمي ذراعها وتسهل طرق العمل؟!.. أم أن الطرفان يعملان لخدمة جهة أخرى.. دولة الكيان مثلًا؟!
وبالنسبة للسودانيين، الجواب لا يهم كثيراً، فالنتيجة واحدة: بلدهم يدفع ثمن لعبة دولية يراد منها أن لا يخرج السودان منتصراً في حربه ضد المليشيا.
ما يحتاجه السودانيون ليس وسطاء يحملون أجندات خارجية، بل موقفاً دولياً عادلاً يميز بين الدولة والمليشيا، ويدعم حق الشعب السوداني في الدفاع عن نفسه، ويلاحق من يمدون المليشيا بالسلاح والمرتزقة. وكل ما عدا ذلك، فهو تفاصيل في لعبة قذرة لا مكان فيها لمصلحة السودان أو السودانيين.
#فوري نيوز #مسعد بولس #الامارات #امريكا






