مقالات وتقارير

الدبلوماسية السودانية..معركة التحالفات..

فوري نيوز

ينتظرها دورٌ مهم عقب جلسة مجلس الأمن،،

الدبلوماسية السودانية..معركة التحالفات..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

تفاعلت الأوساط السودانية باهتمام واسع مع المواقف التي برزت خلال جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة بشأن السودان، لا سيما الدعم الذي أبدته دول مثل روسيا ومصر والسعودية وباكستان للموقف السوداني، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مشروع قرار أميركي يسعى إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض ليشمل كامل الأراضي السودانية، وما يصاحب ذلك من قيود تتصل بالطيران والطائرات المسيّرة والتكنولوجيات المرتبطة بها، وتزايدت أهمية الجلسة من خلال التحفظات التي ابدتها كلٌّ من روسيا والصين على المشروع الأميركي، ما فتح الباب واسعاً أمام احتمال استخدام حق النقض {الڤيتو} إذا مضى المشروع بصيغته الحالية، الأمر الذي يمثل مؤشراً مهماً بالنسبة للخرطوم، للتحرك وعدم الرهان على المواقف المعلنة وحدها.

حلفاء… ولكن:
والواقع أن جلسة مجلس الأمن الأخيرة أظهرت أن السودان ليس وحيداً في مواجهة الضغوط والمشروعات التي يمكن أن تؤثر في سيادته وقدرته على إدارة الحرب وحماية مواطنيه، ويُجمع مراقبون على أن المواقف التي صدرت عن روسيا ومصر والسعودية وباكستان وغيرها من الدول الصديقة تمثل رصيداً سياسياً ودبلوماسياً مهماً، يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة، بيد أن وجود الحلفاء، على أهميته، لا يكفي وحده، فالمطلوب من الحكومة السودانية هو الانتقال من مرحلة الترحيب بالمواقف المنفردة إلى بناء تنسيق دائم ومنظَّم مع هذه الدول، بحيث تتشكل جبهة دبلوماسية أكثر تماسكاً، تتبادل المعلومات بشأن مشاريع القرارات قبل وصولها إلى مرحلة التصويت.

لا تنتظروا التصويت:
ويحذِّر مصدر دبلوماسي للكرامة من خطورة انتظار المشروع الأميركي ليصل إلي مرحلة التصويت ثم التحرك لمواجهته، واصفاً ذلك بالخيار غير الموفق، وطالب المصدر الذي فضّل حجب اسمه بضرورة أن تتحرك الحكومة السودانية مبكراً بإعدادها ملفاً سياسياً وقانونياً متكاملاً يوضع أمام أعضاء مجلس الأمن، والدول المؤثرة، يتضمن الحقائق المتعلقة بطبيعة الحرب، ومصادر تسليح الميليشيا، وشبكات الدعم والتمويل الخارجي التي أسهمت في استمرار القتال، مبيناً أن الأمر يتطلب شرحاً مفصَّلاً للتداعيات المحتملة لأي قرار يفرض قيوداً على مؤسسات الدولة، من دون أن يضمن بصورة عملية وقف تدفق السلاح إلى الميليشيا المتمردة، مؤكداً أن أفضل وسيلة لمواجهة قرار ضار هي العمل على منع وصوله إلى مرحلة الحسم بصيغته الضارة، أو على الأقل ضمان وجود جبهة واسعة من الدول القادرة على تعديله أو التصدي له.

الموقف الروسي:
ويكتسب الموقف الروسي أهمية خاصة في ضوء التحفظات التي أبدتها موسكو على المشروع الأميركي، واحتمال لجوئها إلى استخدام حق النقض {الڤيتو} إذا وصل المشروع إلى مرحلة التصويت بصيغة تمس سيادة السودان أو تفرض قيوداً تخل بالتوازن بين الدولة الشرعية والميليشيا المتمردة، وهنا، فإن لسان المنطق يقول بضرورة ألا تكتفي الحكومة السودانية بمتابعة الموقف الروسي أو التعويل على أن التحفظ المعلن سيتحول تلقائياً إلى فيتو، بل عليها تكثيف التواصل السياسي والدبلوماسي مع موسكو وشرح المخاطر العملية والسياسية التي يمكن أن تترتب على توسيع الحظر ليشمل كامل السودان، من خلال تنسيق مباشر ومبكر مع الجانب الروسي، وإطلاعه بصورة متواصلة على رؤية السودان لمعالجة قضية تدفق السلاح، بما يضمن توجيه أي إجراءات دولية نحو الجهات والشبكات التي تمد الميليشيا بالسلاح والتمويل، لا نحو مؤسسات الدولة السودانية.

الصين والحسم:
وفي موازاة التحرك تجاه موسكو، تتجلَّي أهمية خاصة لتعزيز التواصل الدبلوماسي مع الصين، فتنسيق الجهود والمواقف مع روسيا والصين لا ينبغي أن ينتظر ظهور مشروع القرار بصورته النهائية، وإنما يجب أن يبدأ منذ مراحل النقاش الأولى، عبر لقاءات سياسية رفيعة المستوى، وإحاطات مباشرة، وتفعيل دور السفارات والبعثات الدبلوماسية، فالصين دولة صديقة وشريك مهم للسودان، تربطها به علاقات تعاون تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، فضلاً عن كون الصين إحدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وتمتلك حق النقض {الڤيتو}، ويطالب مراقبون بعدم التعامل مع الموقف الصيني الأخير في جلسة مجلس الأمن بوصفه فتوراً في العلاقات بين البلدين، بل باعتباره دافعاً لتعزيز التواصل والتنسيق المستمر مع بكين، خاصة في الملفات التي يمكن أن تصل إلى لحظة حاسمة داخل مجلس الأمن، واضعين في الاعتبار مواقف بكين التي ظلت ترتكز على احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ورفض التدخل الخارجي، لذلك ينبغي فتح قنوات تنسيق أوسع وأكثر انتظاماً مع الصين، وإطلاعها بصورة مباشرة على تطورات الحرب ومخاطر المشاريع والقرارات التي يمكن أن تضع الدولة السودانية والميليشيا المتمردة في كفة واحدة.

“الڤيتو” ليس النهاية:
ويعود المصدر الدبلوماسي ليؤكد في إفادته للكرامة أن احتمال استخدام روسيا أو الصين حق النقض على أهميته، لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط الأميركية، مبيناً أنه إذا تعذر تمرير المشروع داخل مجلس الأمن بسبب استخدام {الڤيتو}، فإن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي، وبالتالي فإن مهمة الحكومة السودانية ستتجاوز معركة التصويت إلى بناء تحرك سياسي وقانوني وإعلامي أوسع يلاحق القضية في مختلف المنابر الدولية ويمنع إعادة تقديم المشروع ذاته عبر أبواب ومسارات أخرى، ذلك أن { الڤيتو} يمكنه أن يوقف قراراً داخل مجلس الأمن، لكنه لا يُغني عن دبلوماسية نشطة قادرة على مواجهة البدائل ورياح الضغوط التي قد تأتي لاحقاً من خارج قاعة المجلس، بما لا تشتهي سفن السودان وحلفائه.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن الدرس الأهم من جلسة مجلس الأمن الأخيرة والتطورات اللاحقة، هو أن السودان يحتاج إلى الانتقال من مربع رد الفعل، إلى صناعة المبادرة، فبدلاً من انتظار مقترحات الآخرين ثم إعلان رفضها، تستطيع الخرطوم، رغم تآمر الكثير من المحاور الإقليمية والدولية، أن تمضي قدماً في طرح أجندتها الخاصة القائمة على ملاحقة الإمارات التي تقوم بتمويل وتسليح الميليشيا، كما ينبغي على السودان أن يعمل في ذات الوقت على تكثيف جهوده لحشد الدعم الدولي للخطة الوطنية لحماية المدنيين، ودعم مؤسسات الدولة في استعادة الاستقرار، وتهيئة الطريق للسلام وإعادة الإعمار وعودة النازحين واللاجئين، وعلى الدبلوماسية السودانية أن تحوِّل المواقف المؤيدة داخل مجلس الأمن إلى تحالفات، وتتطوِّر التحفظات إلى تنسيق، مع الاستعداد في الوقت نفسه لكل المسارات البديلة التي قد تلجأ إليها واشنطن إذا تعثر مشروعها داخل مجلس الأمن.

 

#فوري نيوز# الدبلوماسية السودانية# تيسو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى