Uncategorizedأخبارمقالات وتقارير

سارة الطيب تكتب: زمار الحي لا يُطرب!

الخرطوم / فوري نيوز

ثمة وجعٌ آخر لا يُرى بسهولة وسط ضجيج الحرب، لكنه يستقر عميقاً في نفوس الإعلاميين السودانيين الذين ظلوا في الداخل، أولئك الذين لم تغادرهم الحرب، ولم تمنحهم رفاهية أن يشاهدوا المأساة من خلف الشاشات.

فبينما تُفتح أبواب الفعاليات، وتُفرش السجادات الحمراء، وتُستدعى أسماء إعلامية سودانية من الخارج للمشاركة في مناسبات تتصل بمستقبل السودان وبدايات الحوار السوداني-السوداني، يقف إعلاميو الداخل على الرصيف، ينظرون إلى المشهد بدهشة ومرارة: ماذا ينقصنا؟

هل لأننا بقينا هنا؟

هل لأننا لم نهرب من النار؟

هل لأننا حملنا كاميراتنا وأقلامنا وسط الرصاص، وواصلنا العمل حين كان مجرد الخروج إلى الشارع مخاطرة؟

إعلاميو الداخل لم يشاهدوا الحرب من خلف الشاشات.

هم اصطَلَوا بنيرانها.

قبضوا على جمرها، وناموا على أصوات القصف، وعاشوا انقطاع الكهرباء والاتصالات، ورافقوا النازحين، ووقفوا وسط الخراب ينقلون للعالم وجع السودانيين. وفي الوقت ذاته، ظلوا يوثقون ما يرونه من صمود ونجاحات الدولة في مواجهة الحرب وجرائم مليشيا الدعم السريع. وواصلوا عملهم في أحلك الظروف، وهم يحملون كاميراتهم وأقلامهم وأجهزة تسجيلهم بين الخوف والقصف والنزوح وانقطاع الخدمات. ظلوا هناك، قريبين من الناس، ينقلون وجعهم، ويرصدون معاناتهم، وفي الوقت نفسه يوثقون ما تحقق من نجاحات للدولة ومؤسساتها في مواجهة الحرب.

لكن، وفي مشهد يتكرر، يبدو أن زمار الحي لا يُطرب أهله.
فمع كل فعالية أو مناسبة تتصل بالشأن السوداني، ولا سيما ما يتعلق ببدايات الحوار الداخلي السوداني-السوداني، تُستدعى أسماء إعلامية سودانية موجودة خارج البلاد، بينما يُتجاوز في كثير من الأحيان إعلاميو الداخل، الذين ظلوا طوال سنوات الحرب جزءاً من المشهد، لا متفرجين عليه.

والمفارقة الأكثر إيلاماً أن هؤلاء القادمين من الخارج يجدون أبواب المسؤولين مفتوحة، بل سيستقبلهم رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في مشهد يحظى بكل الاهتمام والترحيب. وهذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، الأمر الذي يترك في نفوس إعلاميي الداخل إحساساً قاسياً بالتجاهل، وكأن وجودهم طوال هذه السنوات لم يكن كافياً ليُحسب لهم في لحظة يُعاد فيها ترتيب المشهد الإعلامي والسياسي للمرحلة المقبلة.
ليس الاعتراض على دعوة الزملاء في الخارج؛ فهم سودانيون، ولهم أدوارهم وخبراتهم وإسهاماتهم. الاعتراض هو على أن يصبح الخارج هو العنوان، والداخل مجرد هامش.
فالإعلامي الذي بقي في السودان لم يكن في نزهة. كان يعمل وسط الرصاص، ويتنقل في مدن تحولت إلى ساحات حرب، ويبحث عن الحقيقة في ظروف كان مجرد الوصول إلى المعلومة فيها مخاطرة. وقف إلى جانب شعبه، ونقل للعالم ما تعرض له السودانيون من انتهاكات وتهجير ومآسٍ، كما نقل ما استطاع من صور صمود الدولة ونجاحاتها في مواجهة تمرد مليشيا الدعم السريع وجرائمها.
هؤلاء قبضوا على جمر الوجع مع شعبهم، ولم يتركوا مواقعهم عندما كانت الكلفة باهظة.
لذلك فإن تجاهلهم اليوم ليس مجرد مسألة دعوات أو مقاعد في فعالية. إنها مسألة تقدير واعتراف بالدور والوفاء المهني.
إذا كان السودان مقبلاً على مرحلة حوار، وإعادة بناء، وترميم لما هدمته الحرب، فإن الإعلام يجب ألا يكون مجرد أداة لتجميل المشهد، بل شريكاً فيه. والإعلاميون الذين عاشوا تفاصيل الحرب من الداخل أحق بأن يكون لهم صوت ومكان في أي حديث عن مستقبل البلاد.
فكيف نريد إعلاماً وطنياً جامعاً، ونحن نرسل رسالة إلى إعلامي الداخل مفادها أن صوته لا يُسمع إلا إذا خرج من السودان؟
ربما آن الأوان أن ندرك أن الغريب ليس دائماً أكثر قدرة على التعبير عن وجع الدار من ابنها الذي ظل فيها حين اشتد الخطر.
فـ«زمار الحي لا يُطرب» قد تكون حكمة قديمة، لكنها تصبح مؤلمة جداً عندما يتحول الإعلامي الذي ظل مع أهله في زمن الحرب إلى زمارٍ لا يسمعه أهل حيه، بينما يُستدعى من بعيد من لم يعش تفاصيل النار نفسها.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح على الجهات المسؤولة بكل وضوح:
متى يصبح إعلاميو الداخل شركاء في صناعة المشهد، لا مجرد شهود عليه؟

زمار الحي لا يُطرب؟ ربما..
لكن آن لهذا الحي أن يسمع زُمّاره، قبل أن يصمتوا هم، ويكتشف الجميع متأخرين أن بعض الأصوات التي تم تجاهلها كانت تحفظ للحي ذاكرته وروحه وحكايته.
سلسلة مقالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى