مقالات وتقارير

حراك دبلوماسي دولي متصاعد… ما الذي يجري في سفارة السودان بأسمرا؟

الخرطوم فوري نيوز

حراك دبلوماسي إقليمي ودولي متصاعد في أسمرا يحوّل سفارة السودان إلى منصة فاعلة لإدارة معركة السياسة والحرب والدفاع عن السيادة الوطنية

فوري نيوز: تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

شددت سفارة جمهورية السودان لدى دولة إريتريا على الرفض القاطع لأي تدخلات خارجية لا تحترم خيارات وإرادة الشعب السوداني، مؤكدة أن معالجة الأزمة السودانية يجب أن تنطلق من رؤية وطنية خالصة تحفظ سيادة الدولة وتصون وحدتها، بعيداً عن الإملاءات والوصايات الأجنبية، ويأتي هذا الموقف في وقت تشهد فيه أروقة السفارة السودانية بالعاصمة الإريترية أسمرا حراكاً دبلوماسياً وسياسياً متصاعداً، تمثل في توافد عدد من المسؤولين الإقليميين والدوليين، ورؤساء البعثات الدبلوماسية، للاطلاع على تطورات الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية في السودان، في ظل تداعيات الح،رب التي تقترب من دخول عامها الثالث، وما خلفته من تحديات جسيمة على المستويين الداخلي والإقليمي.

زيارات متبادلة، وتوافق رؤى:

ويأتي هذا الزخم الدبلوماسي الذي تشهده أروقة السفارة السودانية امتداداً لمسار متصاعد من تبادل الزيارات رفيعة المستوى بين السودان وإريتريا، توّج بالزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأريتري أسياس أفورقي إلى السودان نهاية نوفمبر الماضي، والتي قطع خلالها مسافة تُقدَّر بنحو 1200 كيلومتر بالسيارة على الطريق البري، في خطوة عكست عمق العلاقات الثنائية والحرص الإريتري على دعم السودان في ظرفه الدقيق، وكان الرئيس الأريتري قد بحث مع نظيره السوداني عبد الفتاح البرهان جملة من القضايا الاستراتيجية، على رأسها تطورات الأوضاع في السودان، والتحديات الأمنية في الإقليم، وسبل تعزيز التنسيق المشترك، حيث أعلن الرئيس الأريتري موقف بلاده الداعم لوحدة السودان واستقراره وصون مكتسبات سيادته الوطنية، والرافض لأي تدخلات خارجية في الشأن السوداني، قاطعاً بأن استقرار السودان شرط أساسي لاستقرار المنطقة، وسبقت هذه زيارة الرئيس أفورقي للسودان، زيارات لمسؤولين سودانيين بارزين إلى أسمرا، من بينهم نائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار، ورئيس مجلس الوزراء دكتور كامل إدريس، في إطار تنسيق سياسي وأمني متقدم بين البلدين.

قبلة حراك دولي وإقليمي:

وفي أسمرا تحوَّلت ساحة السفارة السودانية إلى قبلة لتوافد مسؤولين دوليين وإقليميين، إلى جانب قيادات سياسية وشعبية إريترية، ورؤساء بعثات دبلوماسية معتمدة، حيث جاءوا جميعاً محمولين على أكتاف القلق ومحاولة الاطمئنان على الأوضاع الأمنية والإنسانية والسياسية في السودان واستشراف آفاق الحل، وأجمع زوار السفارة على إدانة وتجريم ميليـ. ـشيا الدع، م الس، ريع، على خلفية المجازر والانتهاكات والجرائم الجسيمة التي ارتكبـ. ـتها ولا تزال ترتكبها بحق المدنيين، لا سيما في محوري كردفان ودارفور، مطالبين بضرورة تصنيفها جماعة إرهابية، كما شددت هذه الوفود على أهمية تحرك المجتمعين الإقليمي والدولي لإدانة الدور التخريبي الذي تمارسه دولة الإمارات، والضغط عليها لوقف إمداد الميليشيا بالمعدات الحربية والآليات القتالية والمرتزقة الأجانب، وهو ما يسهم في إطالة أمد الحرب وتفاقم معاناة الشعب السوداني.

 

رسائل حازمة ومطالب واضحة:

ولعل قمة الحراك الدبلوماسي والسياسي الذي شهدته سفارة السودان بأرتيريا كان في اللقاء المهم الذي عقده سفير السودان لدى إريتريا، السفير أسامة أحمد عبدالباريء، مع المبعوثة الخاصة البريطانية إلى القرن الأفريقي السيدة أليسون بلاك بيرن، بحضور السفير البريطاني المعتمد لدى أسمرا، حيث حرص السفير عبد الباريء على التأكيد على أهمية أن تضطلع بريطانيا بدور إيجابي ومسؤول اقتصادياً وسياسياً وأمنياً في منطقة القرن الأفريقي، بما يحقق السلام والاستقرار والرفاهية لشعوب المنطقة، نظراً لأهميتها الجغرافية والاستراتيجية، وفيما يخص السودان، أشاد السفير بالعقوبات البريطانية التي فُرضت على أربعة من قيادات الميلـ. ـيشيا المتـ. ـمردة، معتبراً إياها خطوةً في الاتجاه الصحيح، غير أنه أكد تطلع السودان إلى أدوار أكبر وأكثر فاعلية من لندن، تبدأ بتصنيف ميليشيا الدعم السريع جماعة إرهابية، والضغط على الدول الداعمة لها، ووقف تدفق السلاح، واتخاذ إجراءات صارمة لكف يد الميليشيا عن ارتكاب المزيد من الفظائع، وأعرب السفير عن أسف السودان لصمت المجتمع الدولي، ومنه المملكة المتحدة، لأكثر من عامين عن جـ.، رائم الإبادة الجماعية والتـ. ـطهير العرقي التي ارتكـ. بتها الميليـ. ـشيا، لا سيما في الفاشر، رغم التحذيرات المبكرة من وقوع هذه الجرائم، كما أشار إلى تطلع السودان لدعم الحكومة البريطانية لخارطة الطريق التي أعدتها الحكومة السودانية لإنهاء الحرب وإعادة إعمار ما دمرته، ولاضطلاع بريطانيا بدور إيجابي داخل الأمم المتحدة، خصوصاً في مجلس الأمن الدولي، إلى جانب تعزيز الدعم الإنساني عبر القنوات الرسمية السودانية.
وفي السياق أعربت المبعوثة البريطانية عن شكرها لحفاوة الاستقبال، وأكدت أن بلادها تخطط لجولة تشمل عدداً من دول القرن الأفريقي، تمهيداً لمضاعفة أدوارها في دعم دول وشعوب المنطقة، مشيرة إلى الأهمية الاستراتيجية للقرن الأفريقي على المستويين الإقليمي والدولي، وتأسفت بلاك بيرن على الفظائع التي ارتكبتها ميلـ. ـيشيا الدع، م الس، ريع في مناطق عدة، منها الفاشر وبارا وكالوقي وأجزاء من الجزيرة، وقالت إن ذلك هو ما دعا بلادها لفرض عقوبات على قادة من هذه الميلـ. ـيشيا، مؤكداً رفض بريطانيا أي جرائم أو استهداف ضد المدنيين العُزّل، وأعربت عن أملها بأن تضع الحرب أوزارها عاجلاً، وأن يعُم الأمن والسلام في ربوع السودان، وأن يعود أهل السودان إلى ديارهم آمنيين، وأكدت المبعوثة البريطانية على رغبة بلادها في أن تلعب دوراً إنسانياً رائداً في هذه الظروف الحرجة التي يمُر بها السودان، مؤكدةً على إيلاء بلادها الأهمية اللازمة للحرب الدائرة الآن في السودان، وأشارت إلى عدد من الجهود التي قامت بها بلادها في سبيل إيقاف هذه الحرب، كما أكدت على اهتمامهم بالشأن الإنساني.

دلالات الزخم الدبلوماسي:

وبإجماع مراقبين فإن الحراك المتصاعد الذي تشهده سفارة السودان بأسمرا، يعكس تحوّلاً لافتاً في مسار التعاطي الإقليمي والدولي مع الأزمة السودانية، حيث باتت السفارة منصة دبلوماسية فاعلة لنقل الرواية الرسمية للدولة السودانية، وتفكيك السرديات المضللة، وبناء شبكة دعم سياسي وأخلاقي لقضية السودان العادلة، كما يعكس هذا الزخم تنامي القناعة الإقليمية بأن استقرار السودان يمثل حجر الزاوية لأمن واستقرار القرن الأفريقي، وأن أي تساهل مع الميليشيات العابرة للدولة ستكون له ارتدادات خطيرة على الإقليم بأسره.

خاتمة مهمة:

ومهما يكن من أمر.. فقدت أكدت التحركات النشطة التي تضطلع بها السفارة السودانية بأسمرا أن الدبلوماسية السودانية دخلت مرحلة أكثر فاعلية، قائمة على الوضوح في المواقف، والصلابة في الدفاع عن السيادة الوطنية، وبناء الشراكات الإقليمية الصادقة، ويبدو أن أسمرا باتت تمثل إحدى أهم بوابات السودان لإعادة صياغة حضوره الإقليمي والدولي، في معركة سياسية ودبلوماسية لا تقل أهمية عن معركة الميدان، عنوانها: سودان واحد، وسيادة لا تُساوَم، وإرادة شعب لا تُختطف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى