مقالات وتقارير

النوبة.. مواقف التاريخ والمستقبل..

فوري نيوز

احتفلوا بيوم الشعوب الأصيلة بحضور كبير،،

“النوبة”.. مواقف التاريخ والمستقبل..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

لم يكن احتفال النوبة باليوم العالمي للشعوب الأصيلة مناسبة للاحتفاء بالهوية والثقافة والتراث فحسب، بل بدا الاحتفال منصة لاستدعاء تاريخ طويل من العطاء والتضحيات، وفتح نقاش أوسع حول مستقبل النوبة وموقعهم في الدولة السودانية، وجاء الاحتفال هذا العام في توقيت بالغ الحساسية، يستحضر فيه أبناء النوبة ما قدموه خلال حرب الكرامة من تضحيات في مختلف محاور وجبهات القتال، بالتزامن مع معاناة مناطقهم تحت حصار خانق أفرز أزمة إنسانية واقتصادية قاسية، دفعت المواطنين في بعض المناطق إلى مواجهة شح الغذاء ووسائل الحياة الأساسية، حتى اضطر بعضهم، إلى أكل لحاء الأشجار والثمار البرية.

الهوية والحضور الوطني:
وتكتسب مناسبة اليوم العالمي للشعوب الأصيلة أهمية خاصة بالنسبة للنوبة، باعتبارها فرصة للتأكيد على خصوصيتهم الثقافية والتاريخية، دون أن تتعارض تلك الخصوصية مع انتمائهم الوطني الواسع، وقد عبرت مشاركة والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة في احتفال مجلس عموم النوبة عن هذا المعنى بوضوح، حين أكد أن قبائل النوبة من أعرق المكونات الأساسية للمجتمع السوداني، مشيراً إلى إسهاماتهم الممتدة في قيادة الدولة والمشاركة في مختلف مراحل مسيرة الوطن، كما ثمن الوالي إسهامات أبناء النوبة في معركة الكرامة، مؤكداً أن التنوع السوداني يمثل مصدر قوة وثروة حقيقية، وأن الحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز التعايش بين المكونات يمثلان أساساً لبناء دولة مستقرة ومتماسكة.

من الاحتفال إلى الحوار:
ولعل اللافت أن حضور الدولة لم يتوقّف عند المشاركة في الاحتفال، بل تزامن مع حراك أوسع يفتح قنوات التواصل مع النوبة، وهو ما يضع المناسبة في سياق يتجاوز البعد الثقافي إلى الحوار الوطني، وفي هذا الإطار، يأتي اتحاد عام النوبة ككيان يسعى إلى ترجمة هذا الانفتاح إلى عمل منظم، عبر التواصل مع مؤسسات الدولة وطرح قضايا النوبة ضمن الحوار السوداني العام، وجاء في هذا السياق اللقاء المهم بين وفد اتحاد عام النوبة، برئاسة الأستاذ محمد أبو عنجة أبو راس، ورئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة فريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، والذي بحث مشروع المؤتمر التأسيسي للاتحاد وبرامجه ومبادراته المجتمعية، إلى جانب مشاركته في الحوار السوداني –السوداني وحرصه على تعزيز الأمن والاستقرار في كردفان ودعم وحدة الصف الوطني، وتكشف هذه الخطوات عن اتجاه نحو بناء علاقة تقوم على الحوار المباشر بدلاً من القطيعة، وعلى طرح المطالب عبر قنوات سياسية ومجتمعية مفتوحة.

توحيد البيت النوبي:
ويجمع مراقبين على أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطاً قبل كل شيء بقدرة النوبة على توحيد صفوفهم، باعتبار أن التحدي أمام اتحاد عام النوبة لا يتمثل في جمع الإثنيات المختلفة تحت مظلة واحدة فحسب، وإنما في استيعاب التعدد السياسي والتنظيمي، وفتح الباب أمام المعارضين وحاملي السلاح، وإيجاد مساحة للحوار حتى مع أصحاب المواقف المتباينة، ولا تعني وحدة النوبة إلغاء الاختلاف، وإنما الاتفاق على القضايا الكبرى، والابتعاد عن الصراعات الصغيرة وحسابات الزعامة، والتعامل مع المرحلة بعقلية تضع مصلحة المجتمع ومستقبل الأجيال فوق الخلافات الشخصية والتنظيمية، ومن هنا، فإن تماسك النوبة داخلياً سيكون عاملاً حاسماً في قدرتهم على الدفاع عن قضاياهم والتأثير في القرارات الوطنية، كما أن التعاطي الإيجابي مع أطروحات الدولة لا يعني التخلي عن الحقوق، بل يمكن أن يشكل مدخلاً لحوار أكثر فاعلية حولها.

تمييز إيجابي:
وتأتي المكاسب والاستحقاقات التي توفرت للنوبة في مقدمة الملفات التي تحتاج إلى دفع جديد، كقضية التمييز الإيجابي واستحقاقات اتفاقيات السلام، فالمكاسب التي تحققت للنوبة عبر الاتفاقيات الموقعة بين الحكومة وبعض الفصائل التي انسلخت عن الحركة الشعبية الأم، ينبغي أن تتحول من نصوص سياسية إلى واقع ملموس، خصوصاً في ما يتعلق بقسمة السلطة والثروة والتنمية والخدمات، ويمثل تفعيل هذه الاتفاقيات اختباراً لجدية أطرافها، كما أنه يفتح الطريق أمام معالجة جذور التهميش وإعادة بناء الثقة، بحيث يشعر المواطن في مناطق النوبة بأن السلام انعكس فعلياً على حياته اليومية، فالسلام الحقيقي لا يكتمل بالتوقيع، وإنما بما ينتج عنه من مدرسة وطريق ومستشفى ومشروع إنتاجي وفرصة عمل، وبما يحققه من مشاركة عادلة في إدارة الدولة ومواردها.

تضحيات:
والواقع فقد أثبت النوبة خلال حرب الكرامة حضورهم في معركة الدفاع عن السودان، يأتي في وقت تحمَّل فيه أهلهم وذويهم المدنيون كلفةً باهظة من الحصار والجوع وتدهور الخدمات، بيد أن مرحلة ما بعد الحرب تفرض سؤالاً مختلفاً: كيف تُستثمر هذه التضحيات في بناء السلام والإعمار والتنمية؟، فالإجابة على هذا السؤال تتضمن مسؤوليةً مشتركة بين الدولة والقيادات والمكونات النوبية، تبدأ بإعطاء المناطق المتأثرة بالحرب أولويةً في الإعمار والخدمات، ولا تنتهي عند تنفيذ اتفاقيات السلام وإشراك أبناء المنطقة في تحديد أولويات مستقبلهم.

فرصة:
ويرى مراقبون أن اتحاد عام النوبة، يقف اليوم أمام فرصة ليكون منصة تتجاوز التمثيل التقليدي إلى صناعة التوافق، وجسراً بين مكونات النوبة ومؤسسات الدولة، وصوتاً داعماً للسلام والاستقرار، ولكن نجاح التجربة يتطلب أن يستوعب الاتحاد الجميع، وأن يحافظ على استقلالية الحوار، وأن يحوِّل مشروع مؤتمره التأسيسي إلى برنامج عملي يعالج قضايا المجتمع ويقرب المسافات بين مكوناته، وفي المقابل، فإن استمرار انفتاح الدولة على النوبة، كما عكسه لقاء وفد الاتحاد برئيس مجلس السيادة، ومشاركة والي الخرطوم في الاحتفال باليوم العالمي للشعوب الأصيلة، يمكن أن يوفر أرضيةً جديدة لحوار أكثر انتظاماً حول قضايا الهوية والتنمية والسلام والمشاركة السياسية.

خاتمة مهمة:
على كلٍّ.. فما بين احتفال يستحضر أصالة النوبة، وذاكرة حرب دفعوا فيها ثمناً غالياً، وبين حراكٍ جديد لفتح قنوات الحوار مع الدولة، تبدو المرحلة المقبلة بمثابة فرصةٍ لإعادة ترتيب البيت النوبي على أسس أكثر تماسكاً، فالرهان الحقيقي ليس على كثرة المنابر، وإنما على قدرتها على الاجتماع حول القضايا الكبرى، وليس على إلغاء الاختلاف، وإنما على إدارته بالحوار؛ وليس على استعادة الماضي، وإنما على تحويل تضحياته إلى مستقبل أفضل، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

 

#فوري نيوز #النوبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى