إقتصادمقالات وتقارير

تهاوي الجنيه أمام العملات الأجنبية.. حرب أم مضاربات ؟..

فوري نيوز

استمرَّ في ارتفاعه بصورة مقلقة

التضخم.. غول الاقتصاد..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

عاد الملف الاقتصادي إلى واجهة المشهد السوداني بقوة، مع إعلان الجهاز المركزي للإحصاء ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 41.61% خلال يوليو 2026م، بالتزامن مع استمرار تراجع الجنيه أمام العملات الأجنبية في السوق الموازي، رغم تدخلات بنك السودان المركزي وضخ النقد الأجنبي عبر الجهاز المصرفي.

تعقيدات:
ويجد المواطن نفسه أمام ضغوط معيشية متزايدة، مع ارتفاع الرقم القياسي العام للأسعار من 708,510.80 نقطة في يونيو إلى 718,930.72 نقطة في يوليو، بزيادة شهرية بلغت 1.47%، ويأتي ذلك في وقت تتراجع فيه قيمة العملة الوطنية وتستمر الأسعار في الصعود، بينما لم تُحدث التدخلات النقدية التحول المنتظر في سوق الصرف، ما يطرح أسئلة حول أسباب استمرار الأزمة: هل المشكلة في نقص النقد الأجنبي أم في طريقة إدارته؟ وهل للمضاربات دور في تراجع الجنيه؟ وهل يتعرّض الاقتصاد لضغوط خارجية؟ والأهم، كيف يمكن إدارة اقتصاد الحرب ووقف نزيف العملة؟.

الوجه الآخر لأزمة الجنيه:
ويرتبط التضخم بصورة وثيقة بتراجع القوة الشرائية للجنيه وارتفاع تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج والنقل، فضلاً عن تأثير الحرب على النشاط الاقتصادي وسلاسل الإمداد، فكلما تراجع الجنيه ارتفعت تكلفة السلع، بينما يدفع ارتفاع الأسعار إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية للتحوط، لتدخل السوق في دائرة تضخمية يصعب كسرها، ومن ثم، فإن كبح التضخم يرتبط باستقرار سعر الصرف، ولا يمكن معالجة أحدهما بمعزل عن الآخر.

مفارقة محيرة:
وإذا كان بنك السودان المركزي يضخ العملات الأجنبية للمصارف، فلماذا يواصل الجنيه تراجعه في السوق الموازي؟، وتكشف هذه المفارقة عن فجوة بين السوق المصرفي والسوق الموازي، إذ تستهدف تدخلات المركزي توفير احتياجات القطاعات الحيوية والاستيراد وتقليل الضغط على السوق غير الرسمية، لكن استمرار تراجع الجنيه يشير إلى أن الأزمة تتجاوز مجرد نقص مؤقت في العملات الأجنبية، وهنا تبرز أسئلة مهمة: هل تغطي التدخلات حجم الطلب الحقيقي؟ وهل تصل العملات الأجنبية إلى مستحقيها في الوقت المناسب؟ وهل ما يزال جزء من النشاط التجاري يعتمد على السوق الموازي لصعوبة الحصول على النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية؟، ومن هذه الزاوية يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل يحدد السوق سعر الصرف، أم أصبحت المضاربات لاعباً مؤثراً في اتجاهات الجنيه؟.

مضاربات وتلاعب:
والواقع أنه يصعب تفسير كل تحركات سعر الصرف بالمضاربة، لكن من الصعب أيضاً تجاهل استفادة المضاربين من هشاشة السوق وشح النقد الأجنبي، فالسوق الموازي أكثر تأثراً بالشائعات والتوقعات، وقد يؤدي انتشار توقعات سلبية بشأن الدولار إلى موجات شراء تدفع السعر إلى مزيد من الارتفاع، بيد أن تحميل المضاربين وحدهم مسؤولية الأزمة يتجاهل جذورها؛ فالمضاربة تنشط عادة مع وجود فجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وشح العملات الأجنبية، وضعف الثقة بالجنيه، وارتفاع الطلب على الدولار، وتدفقات مالية خارج الجهاز المصرفي، لذلك فإن مكافحة المضاربة لا تقتصر على الرقابة والملاحقة، وإنما تتطلب توفير النقد الأجنبي بصورة منتظمة وشفافة، وتقليص الفجوة بين السوقين، وتعزيز الثقة في المصارف، وتشجيع التحويلات عبر القنوات الرسمية.

مؤامرة خارجية؟:
ولا يمكن تجاهل البعد الخارجي في الأزمة الاقتصادية السودانية، خاصة في ظل استمرار الحرب واضطراب التجارة والاستثمار والتدفقات المالية، لكن اختزال كل تراجع في قيمة الجنيه في «مؤامرة خارجية» قد يحجب الاختلالات الداخلية، فحتى إذا كانت هناك جهات خارجية تستهدف الاقتصاد السوداني أو تستفيد من إضعافه، فإن تأثيرها يتضاعف مع وجود ثغرات داخلية، مثل تهريب الذهب والعملات، وخروج حصائل الصادر من الجهاز المصرفي، واتساع السوق الموازي وضعف الإنتاج، ومن ثم، فإن تحصين الاقتصاد من الداخل يظل أفضل استجابة للضغوط الخارجية، عبر إنتاج متزايد، وصادرات متنوعة، وجهاز مصرفي موثوق، وسياسة نقدية واضحة وسوق صرف أكثر انضباطاً.

اقتصاد الحرب:
وبإجماع خبراء اقتصاديين فإن الحرب تفرض إدارة اقتصادية مختلفة، تتقدم فيها الأولويات الأساسية، ويصبح الحفاظ على النقد الأجنبي جزءاً من الأمن الاقتصادي، ويقتضي ذلك توجيه العملات الأجنبية إلى الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج، وتقليص الواردات غير الضرورية، مع حماية القطاعات المنتجة والمصدرة،غير أن التقشف واستنزاف الاحتياطيات لا يمكن أن يشكلا حلاً دائماً، إذ يبقى المخرج الحقيقي يكمن في زيادة الإنتاج والصادرات، وهنا تتجلّى المفارقة السودانية: بلد يمتلك الذهب والثروة الحيوانية والأراضي الزراعية والموارد الطبيعية المتعددة، ومع ذلك يعاني من أزمة مزمنة في النقد الأجنبي وتراجع قيمة عملته، ومن هنا فإن المشكلة ليست في غياب الموارد، وإنما تكمن المشكلة في القدرة على تحويل هذه الموارد إلى تدفقات نقدية مستدامة تدخل الاقتصاد الرسمي وتدعم الجنيه.

تأثيرات الحرب:
وترى الصحفية والمحللة الاقتصادية ناهد أوشي أن حرب أبريل 2023م ألقت بظلال سالبة على مختلف مناحي الاقتصاد السوداني، الرسمي والشعبي، وأدت إلى توقف النشاط التجاري والاقتصادي في مناطق واسعة تأثرت بالعمليات العسكرية، وتشير أوشي، في إفادتها للكرامة، إلى أن استمرار الحرب لأكثر من ثلاثة أعوام أضر بالقطاعات الإنتاجية، لافتةً إلى أن خسائر القطاع الصناعي تجاوزت 60 مليار دولار، فيما توقف نحو 90% من المصانع عن الإنتاج، إلى جانب أضرار كبيرة طالت الزراعة والبنية التحتية من طرق وجسور وكهرباء ومياه، وتضيف أوشي أن تدمير القاعدة الإنتاجية انعكس سلباً على الاقتصاد الرسمي وسوق الصرف، مع ارتفاع أسعار العملات الأجنبية وتراجع قيمة الجنيه، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات وضعف القوة الشرائية، منوهةً إلى أن معدل التضخم بلغ 41.61% في يوليو، مقارنة بـ51.28% في يونيو، موضحة أن انخفاض المعدل لا يعني انتهاء الضغوط التضخمية، وإنما تراجع وتيرة الارتفاع مع بقائه عند مستويات مرتفعة، وتلفت أوشي إلى أن مجموعة التعليم سجلت أعلى معدل تضخم بنسبة 308.28% مقارنة بـ268.72% في يونيو، معتبرة أن ذلك يحمل دلالة على عودة النشاط إلى الجامعات والمدارس السودانية عقب الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة واستئناف العملية التعليمية في عدد من المناطق، وتخلص أوشي إلى أن معالجة التضخم مرتبطة بإعادة بناء القاعدة الإنتاجية التي دمرتها الحرب، مؤكدة أن استقرار العملة والأسعار يتطلب عودة المصانع والزراعة والتجارة والبنية التحتية إلى العمل.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر، فإنهما يمكن اختزال أزمة الجنيه في سؤال: كم يساوي الدولار اليوم؟ فسعر الصرف هو نتيجة لمجموعة عوامل تبدأ من حجم الإنتاج وتنتهي بمستوى الثقة في الاقتصاد، ويحتاج وقف تدهور العملة إلى معادلة متكاملة تشمل زيادة الإنتاج، ورفع الصادرات، وضبط الواردات، واستعادة حصائل الصادر، ومكافحة تهريب الذهب والعملات، وتقليص الفجوة بين السوقين الرسمي والموازي، وتعزيز دور الجهاز المصرفي، وضبط المضاربات، وتبني سياسة نقدية ومالية متسقة وواضحة، أما ضخُّ العملات الأجنبية، فعلى أهميته، يظل علاجاً مؤقتاً إذا لم يصاحبه تدفق مستدام للعملات الصعبة من الإنتاج والصادرات، وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط لإنقاذ الجنيه من التراجع، وإنما لإعادة بناء اقتصاد منتج قادر على توليد موارده، وتحويل الذهب والثروة الحيوانية والزراعة من موارد كامنة إلى قوة حقيقية تدعم العملة الوطنية وتكبح غول التضخم.

 

#فوري نيوز# الجنية السوداني# عملات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى