ألقى السيد/ وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، د. جبريل إبراهيم، كلمة في ختام أعمال مؤتمر حوار تعافي القطاع الخاص، تناول فيها أهمية تعزيز دور القطاع الخاص في دعم التعافي الاقتصادي، وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وتورد فوري نيوز لقرائها نص الكلمة كاملة:
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة السيد/ وزير المالية د. جبريل إبراهيم في ختام مؤتمر حوار تعافي القطاع الخاص
21-23 سبتمبر 2026م – فندق السلام روتانا
السادة الوزراء،
السيد/ والي ولاية الخرطوم،
السيد/ الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة في السودان،
السيد/ الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان،
السادة ممثلو مؤسسات الدولة،
السادة ممثلو القطاع الخاص والشركات والمؤسسات الوطنية،
السادة ممثلو شركاء التنمية والمنظمات الدولية والإقليمية،
السادة ممثلو البعثات الدبلوماسية والدول الشقيقة والصديقة والجاليات،
الحضور الكريم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني، في ختام أعمال هذا المؤتمر، أن أعرب عن تقديري واعتزازي بنجاح مؤتمر حوار تعافي القطاع الخاص، الذي جمع على مدى ثلاثة أيام ممثلين من داخل السودان وخارجه، وشهد حواراً جاداً ومسؤولاً حول مستقبل القطاع الخاص ودوره في استعادة النشاط الاقتصادي، وتحريك عجلة الإنتاج، وخلق فرص العمل، ودعم مسيرة التعافي والتنمية في بلادنا.
لقد أكد هذا المؤتمر أن السودان، رغم جسامة التحديات التي فرضتها الحرب والظروف الاقتصادية المترتبة عليها، يمتلك طاقات وقدرات وطنية كبيرة، وأن إرادة التعافي وإعادة البناء تتزايد، وأن القطاع الخاص السوداني قادر على توفير البيئة المناسبة، و أن يكون شريكاً رئيسياً في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعاً وقدرة على الصمود.
الحضور الكريم،
ناقش المؤتمر عدداً من القضايا التي تمثل ركائز أساسية لمسار التعافي الاقتصادي، وفي مقدمتها تعزيز صمود أنظمة الغذاء، والحماية الاجتماعية، واستعادة قدرات قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة، بما يضمن زيادة الإنتاج المحلي واستمرارية سلاسل الإمداد وتعزيز الأمن الغذائي.
كما حظي التمويل باهتمام كبير، باعتباره أحد أهم متطلبات عودة القطاع الخاص إلى النشاط، ولا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. والمرحلة المقبلة تتطلب توسيع قنوات التمويل، وتحسين الوصول إليها، وتطوير أدوات الضمان وتقاسم المخاطر، وتعظيم الاستفادة من نوافذ التمويل التي توفرها المؤسسات المالية الإقليمية والدولية وشركاء التنمية.
وتناول المؤتمر كذلك تطوير بيئة الأعمال، وتعزيز دور القطاع الخاص في سلاسل القيمة، وتوسيع فرص العمل، وتسهيل التجارة والاستثمار. وهي قضايا مترابطة تتطلب معالجة متكاملة؛ إذ لا يمكن للمنتج السوداني أن يستعيد قدرته التنافسية ويصل إلى الأسواق دون بيئة أعمال مستقرة وكفؤة، وتمويل مناسب، وبنية تحتية وخدمات مساندة، وتشريعات وإجراءات واضحة ومحفزة للإنتاج والاستثمار.
السيدات والسادة،
إن خارطة طريق تعافي القطاع الخاص التي تم الإعلان عنها في ختام هذا المؤتمر تمثل خطوة مهمة من الحوار إلى العمل، ومن تشخيص التحديات إلى تحديد الأولويات والحلول.
وستعمل وزارة المالية، بالتنسيق مع الوزارات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص وشركاء التنمية، على ترجمة هذه الخارطة إلى سياسات وبرامج وإجراءات عملية قابلة للتنفيذ، ومتابعة ما تم الاتفاق عليه بما يضمن الانتقال من التوصيات إلى النتائج الملموسة.
كما ندعو المؤسسات المالية الإقليمية والدولية وشركاء التنمية إلى مواصلة وتوسيع دعمهم للقطاع الخاص السوداني، وتمكينه من الاستفادة من نوافذ التمويل والضمانات وأدوات تقاسم المخاطر والبرامج الفنية المتاحة. ونتطلع إلى أن يتطور هذا الدعم تدريجياً من الاستجابة للاحتياجات قصيرة الأجل إلى شراكات وبرامج أكثر استدامة، تركز على استعادة الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، وإعادة بناء المؤسسات وسلاسل القيمة، وتعزيز فرص العمل والدخل.
ضيوفنا الكرام،
يقف السودان اليوم أمام مرحلة مفصلية.
فالتحدي الذي نواجهه لا يقتصر على معالجة آثار الحرب أو إعادة ما دمرته، وإنما يتمثل في بناء اقتصاد جديد أكثر قدرة على الصمود، وأكثر إنتاجية وتنوعاً وتنافسية.
لقد آن الأوان للانتقال تدريجياً من الاستجابة الإنسانية إلى الصمود والتعافي، ومن التعافي إلى الإنتاج والاستثمار، ومن الاعتماد على المساعدات الطارئة إلى بناء اقتصاد قادر على توليد موارده وفرصه وتحقيق نمو مستدام.
وهذا التحول يتطلب من الجميع تغييراً في طريقة التفكير والعمل. فالتعافي الاقتصادي ليس مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما هو مشروع وطني تشارك فيه الدولة والقطاع الخاص والمجتمع وشركاء التنمية، كل من موقعه وبما يملكه من موارد وخبرات وقدرات.
ومن جانبنا، تؤكد وزارة المالية التزامها بمواصلة الإصلاحات المالية والاقتصادية اللازمة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للإنتاج والاستثمار.
وسنعمل، بالتنسيق مع مؤسسات الدولة وشركائنا، على معالجة الاختناقات التي تحد من النشاط الاقتصادي، وفي مقدمتها الطاقة والبنية التحتية والتشريعات والإجراءات الإدارية، بما يسهم في خفض تكلفة ممارسة الأعمال وتوسيع قاعدة الاستثمار.
وفي الوقت ذاته، نريد أن تكون مرحلة التعافي فرصة لإعادة النظر في نموذجنا الاقتصادي، والاستفادة من الدروس التي فرضتها هذه الأزمة، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة، وسلاسل قيمة أكثر قوة، وقطاع خاص أكثر تنافسية، واقتصاد أكثر ارتباطاً بالأسواق الإقليمية والدولية.
السيدات والسادة،
إن طموحنا لا ينبغي أن يتوقف عند إعادة بناء ما فقدناه.
نحن لا نريد أن نعيد بناء الاقتصاد الذي كان قائماً قبل الحرب فحسب، بل نريد أن نبني اقتصاداً أفضل منه؛ اقتصاداً أكثر إنتاجية وتنوعاً وتنافسية، وأكثر قدرة على خلق فرص العمل واستقطاب الاستثمار، والاستفادة من موارد السودان وطاقاته بما يحقق مستقبلاً أفضل لأجياله القادمة.
يمتلك السودان مقومات اقتصادية استثنائية؛ من الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والموارد الطبيعية، إلى موقعه الجغرافي الاستراتيجي، وطاقاته البشرية، وأسواقه الواعدة. والتحدي أمامنا هو تحويل هذه المقومات من إمكانات كامنة إلى قيمة اقتصادية حقيقية، وإنتاج وفرص عمل واستثمارات ونمو مستدام.
وفي هذا المسار، نؤكد أن القطاع الخاص ليس مجرد مستفيد من التعافي، بل شريك ومحرك أساسي له. ودور الحكومة هو توفير السياسات والأطر المؤسسية والبيئة التنظيمية التي تمكنه من القيام بدوره بكفاءة، وتفتح المجال أمام المبادرة والاستثمار، وتدعم المنتج الوطني وتخلق فرصاً أوسع للشباب ورواد الأعمال.
ضيوفنا الكرام،
إن ما تحقق خلال هذا المؤتمر ليس نهاية المطاف، وإنما بداية لمسار جديد من الشراكة والعمل المشترك.
ورسالتنا من هنا واضحة: السودان مستعد للتعافي، ومستعد للإنتاج، ومستعد للاستثمار، ومستعد لبناء شراكات جديدة مع القطاع الخاص وشركاء التنمية والمستثمرين من داخل السودان وخارجه.
نريد أن يكون هذا الحوار نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة، يكون فيها التعافي الاقتصادي جزءاً من مشروع وطني أوسع لإعادة بناء السودان، واستعادة قدراته الإنتاجية، وتحقيق نمو شامل ومستدام، يعود أثره على المواطن السوداني في جميع أنحاء البلاد.
أمامنا الكثير من العمل، لكن أمامنا أيضاً فرصة تاريخية.
فلنجعل من هذه المرحلة بداية لاقتصاد سوداني أقوى، ومن التعافي منصة للنمو، ومن موارد السودان أساساً لنهضته، ومن شراكاتنا اليوم جسراً إلى مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
وفي الختام، أتقدم بخالص الشكر والتقدير لكل من أسهم في إنجاح هذا المؤتمر، فكراً وجهداً وتنظيماً ومشاركة، وأخص بالشكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على مبادرته الكريمة ودعمه الكبير لتنظيم هذا الحوار، وما أتاحه من مساحة مهمة للتنسيق وتبادل الرؤى بين الحكومة والقطاع الخاص وشركاء التنمية.
كما أقدر عالياً مشاركة القطاع الخاص السوداني والشركات والمؤسسات الوطنية، ومؤسسات الدولة، والمنظمات الدولية والإقليمية، والمؤسسات المالية، وممثلي الدول الشقيقة والصديقة والجاليات، سواء بالحضور المباشر أو عبر الاتصال المرئي، وما قدموه من خبرات وتجارب وإسهامات أَثرتَ النقاش وأكدت على أهمية العمل المشترك في هذه المرحلة.
أتمنى لجميع المشاركين القادمين من خارج السودان عودة حميدة وآمنة إلى بلدانهم، ونتطلع إلى أن نلتقي بهم مجدداً في الخرطوم ، والسودان ينعم بالسلام، ويستعيد عافيته الاقتصادية، وينطلق بثقة نحو مستقبل أكثر قوة وازدهاراً واستدامة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.






