
ثمة مقولة سودانية ساخرة تختصر أحياناً كثيراً من المشهد: «جابوه بالطيارة وباعوه بالخسارة». ولعلها تصلح، بامتياز، لوصف بعض ما يجري هذه الأيام باسم الحوار الوطني وترقية العمل الإعلامي.
فقد شهدت الورش والفعاليات المرتبطة بالحوار الوطني حشداً لعدد من الإعلاميين السودانيين الذين غادروا البلاد بسبب الحرب ولعنتها علي كل سوداني ، وجاء بعضهم من بلدان لا تعرف انقطاع الكهرباء والمياه والإنترنت، ولا تعرف ذلك الوجع اليومي الذي يمثله توقف خدمات «بنكك» والتحويلات المالية؛ ذلك العطل الصغير في ظاهره، الكبير في أثره، لأنه في حياة السودانيين قد يعني توقف الحياة نفسها
لكن اللافت أن القائمين على الأمر لم يجدوا، على ما يبدو، ضرورة لتوجيه الدعوة إلى الإعلاميين الذين ظلوا داخل السودان، أولئك الذين ظلوا هنا وسط الغبار والخوف والرصاص وانقطاع الخدمات، يكتبون ويصورون وينقلون ما يستطيعون من قلب المشهد.
والحصيلة؟!
صور جماعية، ابتسامات عريضة، مصافحات، «مقالدات» وقشّرات، وعدسات كاميرات منشغلة بتوثيق اجتماع النجوم أكثر من انشغالها بالسؤال: ماذا خرجت به الورشة؟
حتى إن بعض الضيوف، وربما عن حسن نية، لم يكن واضحاً لديهم: هل جاؤوا إلى ورشة لترقية الإعلام، أم إلى فعالية تخص اللجنة المعنية بتهيئة الحوار الوطني؟ المهم أنهم حضروا، والتقطت الصور، وسُجلت المصافحات، ثم سيعود كل واحد إلى البلد الذي جاء منه.
هل تعرفون ان الناس في السودان لا ينتظرون اليوم صور النجوم بملابسهم الأنيقة، ولا يعنيهم كثيراً من صافح من، ومن جلس بجوار من.
الناس يريدون أن يعرفوا: ما الذي أنجزتموه؟ وما الذي ستفعلونه غداً؟
ان صورة جندي مرابط في جوف الليل، في الخطوط الأمامية، وسط الخطر والحر والعتمة، وحدها ربما تستطيع أن تضيء تلك القاعات المكيفة والفنادق التي احتشد فيها السادة الضيوف.
ولعل المبادرة الأجدى التي كان يمكن للجهات الراعية أن تطلقها، هي أن تقول لهؤلاء النجوم: ابقوا بين الناس فالخرطوم امنه ومستقرة ومطئنه انزلوا إلى الميدان.
و عايشوا السودانيين، انقلوا الصورة الحية، أحدثوا العالم من هنا، وانقلوا إليه ما ترونه وتسمعونه وتلمسونه من استقرار وأمن سودانا الحبيب
فليكن ذلك شاهداً من الميدان، وإن كانت العودة ممكنة، فلتكن العودة فعلاً لا شعاراً؛ بل لعلها تصبح فرض عين لا فرض كفاية.
إن المشاركة المثلى في إنجاح الحوار ليست في كثرة المقاعد ولا في بريق الصور، وإنما في معايشة الناس، ونقل نبضهم، وعكس الحقيقة كما هي، ثم المدافعة عن السودان أمام العالم بالحجة والصورة والكلمة.
أما أن يُجاب الإعلاميون بالطائرات، ثم تُباع المشاركة بالخسارة، فذلك هو بالضبط ما قاله أهلنا منذ زمن: **جابوه بالطيارة… وباعوه بالخسارة!**
#سلسلة مقالات






