مقالات وتقارير

بهدوء مع حديث البرهان (2)

الخرطوم / فوري نيوز

. للقصة بقية
معاوية الجاك

نواصل ما بدأناه من تعليق على حديث الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، أمام الإعلاميين مؤخراً.
وفي المقال السابق تحدثنا عن تمدُّد وتكاثر وتمكين مليشيا الدعم السريع في عهد البرهان، وسقط سهواً أن نُذكِّره بالقرار الذي أصدره بإسقاط المادة (5)، من قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017، وإلغائها يعني رفع خضوع قوات الدعم السريع لأحكام قانون القوات المسلحة في حالات الطوارىء أو الحرب بمناطق العمليات، وإلغاء تبعيتها المباشرة لقيادة الجيش وتجريد القائد العام من صلاحية إمرتها أو دمجها، مما منحها مطلق الحرية في إدارة نفسها والتحرك بحرية بعيداً عن أي قيود.
ذكر البرهان للإعلاميين أنهم قاتلوا التمرد لفترة طويلة، وهم لا يملكون مخزوناً من السلاح والذخيرة، ولا أدري كيف أقدم رئيس مجلس السيادة على قول مثل هذا الكلام وكأنه يتحدث عن جيش دولة أخرى، وليس عن القوات المسلحة التي ظل مسؤولاً عنها منذ سقوط البشير في 2019.
وأين كان البرهان عندما كان الجيش، حسب حديثه، يقاتل بلا سلاح ولا ذخيرة؟
من الذي ظل يتفرج على الجيش وهو يعاني النقص في السلاح والذخيرة والتدريب والعدد؟ ومن المسؤول عن معالجة هذا الوضع؟
أليس البرهان نفسه؟
عزيزي البرهان، ما ذكرته مردودٌ عليك، فمنذ أبريل 2019، وأنت قائد عام للقوات المسلحة، ورئيساً للبلاد، ورئيساً لمجلس السيادة، فلماذا تتحدث الآن عن جيش قاتل بلا ذخيرة وكأنك كنت مجرد متفرج على المشهد؟
هذه ليست بطولة تُروى للإعلاميين، يا سيادة الفريق أول ركن، بل تعتبر ظلماً وجريمةً في حق الشعب السوداني تستوجب السؤال: كيف وصل الجيش إلى هذه الحالة وأنت قائداً عليه؟
نأتي إلى الاقتصاد،
ذكر البرهان أنهم غير راضين عن الأوضاع الاقتصادية، ويشعرون بمعاناة الناس، وسيعملون على مساعدة الحكومة في حل هذه الإشكالات، وقال إنهم يواجهون حرباً اقتصادية.
وهنا أيضاً نسأل: من الذي جاء بهذه الحكومة أصلاً؟
البرهان هو الذي أتى بكامل إدريس، والبرهان هو الذي اختاره رئيساً للوزراء، والبرهان هو الذي ظل متمسكاً به رغم مرور أكثر من عام على وجوده في المنصب، ورغم الفشل الذي أصبح واضحاً للناس جميعاً.
فكيف يريد البرهان اقتصاداً جيداً بحكومة لا تستطيع إدارة نفسها؟
وكيف ينتظر من الشعب أن يصمت على الفشل، ثم يغضب عندما يهاجم الإعلام والشعب مجلس الوزراء؟
يا سيادة البرهان، أنت من اختار كامل إدريس، ولذلك أنت أول من يجب أن يتحمل نتيجة هذا الاختيار ويُحاسَب عليه.
لا تجعل رئيس الوزراء شماعةً تعلق عليها كل الإخفاقات، أو درقةً تحميك من الهجوم، كامل إدريس لم يهبط على مجلس الوزراء من السماء، ولم يأتِ بقرار من الشعب، أنت من أتى به، وأنت من أبقاه، وأنت من يتحمل مسؤولية استمرار هذا الفشل.
ذكر رئيس المجلس السيادي بأنهم سيساعدون الحكومة.
كيف ستساعدونها؟
الشعب لا ينتظر منكم المزيد من الكلام عن المساعدة، ولا ينتظر وزراء فاشلين عاجزين عن تحقيق النجاح،
فالشعب ينتظر حكومةً محترمةً وقويةً، تمتلك قرارها وإرادتها، وتعرف ماذا تريد، وتستطيع أن تتحمل مسؤولية قراراتها.
أما حكومة تكون مهمتها انتظار الأوامر ثم البحث عن شماعة لتعليق الفشل عليها، فهذه ليست حكومة بالمعنى الذي يعرفه الناس.
أما الحديث عن الحرب الاقتصادية من الخارج، فنقول للبرهان: نعم، هناك حرب، ولا أحد ينكر ذلك، ولكن هل كل ما يحدث في السودان سببه الخارج؟
هل الخارج هو الذي هرّب الذهب؟
هل الخارج هو الذي سمح بتسريب الذهب، والذي تُشير التقارير والبيانات الرسمية والدولية إلى خسارة السودان لأكثر من (54) إلى (57) طناً من الذهب سنوياً يجري تهريبها خارج الاقتصاد الرسمي وعبر الأسواق الموازية، وهو ما يعادل نحو 48% إلى 60% من إجمالي الإنتاج الفعلي للبلاد، وتتسبب هذه العمليات في حرمان الخزينة العامة من عائدات وتقييمات مالية تُقدّر بالمليارات، فهل الخارج هو الذي تسبب في هذا الترهل الإداري المريع وشوّه الأداء الحكومي؟
هل الخارج هو الذي نشر المخدرات وسط المجتمع؟
وهل الخارج هو الذي جعلنا نسمع بين الفينة والأخرى عن ضبط نظاميين يساندون القوات المسلحة ومتورطين في تجارة المخدرات، بحسب ما تعلن الجهات المختصة ممثلة في مدير مكافحة المخدرات؟
وهل الحرب الاقتصادية هي التي جعلت الحالة الأمنية في العاصمة تصل إلى هذه الدرجة، فتجوب القوات العسكرية الشوارع وتثير مخاوف المواطنين بدلاً من أن يشعروا بالأمان في ظل وجودها؟
وهل الحرب الاقتصادية هي التي جعلت أوامر رئيس البلاد لا تجد من ينفذها؟
سيدي البرهان، لقد أصدرت قراراً قبل أكثر من عام بشأن إخلاء العاصمة الخرطوم المظاهر العسكرية، ولكن للأسف حتى الآن لم يتكرم أحد بتنفيذ القرار، وكأن الأمر صدر من مواطن عادي، وليس من رئيس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة.
فإذا كانت أوامرك لا تُنفذ، فمن يحكم السودان؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها البرهان بدلاً من الاكتفاء بالحديث عن الحرب الاقتصادية والحرب الإعلامية والآخرين.
يا سيادة البرهان، أنت رئيس البلاد، والقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس مجلس السيادة، وبالتالي لا يمكنك أن تقف أمام الإعلاميين وتتعامل مع أزمات السودان وكأنك مراقب من خارج السلطة.
أنت في قلب السلطة، وأنت من يملك القرار، وأنت من اختار بعضاً من الوزراء ورئيس الوزراء، وأنت من يتحمل مسؤولية نجاحهم وفشلهم.
الشعب السوداني لم يعد يحتمل المزيد من التبريرات.
ثلاث سنوات من الحرب كافية، وثلاث سنوات من المعاناة كافية، والفشل الإداري والاقتصادي والأمني والخدمي لا يمكن أن يظل معلقاً على شماعة الحرب إلى ما لا نهاية.
السيد البرهان، أنت راعٍ لهذا الشعب، ومسؤول أمام الله قبل أن تكون مسؤولاً أمام الناس عن هذه المعاناة.
فإما أن تحزم أمرك وتتحمل مسؤوليتك كاملةً، وتُصلح ما يمكن إصلاحه، وتأتي بمن يستطيع إدارة البلاد فعلاً، أو تقولها بوضوح: لا أستطيع.
وعندها يكون تسليم المهمة أشرف من الاستمرار في إدارة بلد ينهار أمام أعيننا، ثم البحث كل مرة عن شماعة جديدة نعلق عليها الفشل.

نواصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى