تقرير…. قرارات البنك المركزي..
الخرطوم:فوري نيوز
في خطوتين متزامنتين، يمضي بنك السودان المركزي نحو إحكام الرقابة على سوق النقد الأجنبي والجهاز المصرفي، عبر إعادة تنظيم شراء حصائل الصادر وتشديد الضوابط على الحسابات المصرفية.
إجراءات تبدو فنية في ظاهرها، لكنها تحمل أبعاداً اقتصادية ومالية تتصل مباشرة بأزمة سعر الصرف، وتدفقات النقد الأجنبي، ومكافحة الاقتصاد الموازي.
سعران لشراء حصائل الصادر
ألزم بنك السودان المركزي المصارف بشراء حصائل الصادر وفق السعر الذي تعلنه هي، ولكن ذلكة حصراً في عمليات الصادر التي قامت بتمويلها.
أما حصائل الصادر الأخرى التي لم يمولها المصرف المعني، وعمليات الاستيراد، فتظل خاضعة لسعر الضخ اليومي الذي يعلنه البنك المركزي.
وهذا التفريق مهم؛ إذ يمنح المصارف هامشاً في تسعير حصائل الصادر المرتبطة مباشرة بعمليات تمويلها، بينما يبقي البنك المركزي على قبضته في العمليات الأخرى.
ماذا يستهدف هذا الإجراء:
يستهدف الإجراء، في جوهره، تنظيم العلاقة بين المصارف والمصدرين وتقليص التشوهات في سوق النقد الأجنبي.
فحصائل الصادر تمثل أحد أهم مصادر العملات الأجنبية للاقتصاد السوداني، لكن ضعف القنوات المصرفية واتساع السوق الموازي يجعلان جزءًا من هذه التدفقات تصب بعيداً عن الجهاز المصرفي.
ومن هنا، فإن السماح للمصرف بمرونة أكبر في شراء حصيلة الصادر التي موّلها قد يمنحه قدرة أفضل على منافسة السوق غير الرسمية واستقطاب العملات الأجنبية، بدلاً من ترك المُصدِّر يبحث عن السعر الأعلى خارج النظام المصرفي.
لكن نجاح الخطوة سيتوقف على الفارق بين الأسعار الرسمية وسعر السوق الموازي. فإذا ظل الفرق كبيراً، فقد تبقى الحوافز قوية لإخفاء الحصائل أو تأخير تحويلها أو تمريرها عبر قنوات غير رسمية.
هل ينعكس القرار على الجنيه؟
يمكن للإجراء أن يساعد في زيادة تدفقات النقد الأجنبي عبر المصارف، وبالتالي دعم قدرة الجهاز المصرفي على تمويل الاستيراد وتوفير العملات الأجنبية.
لكن من الصعب أن يؤدي القرار وحده إلى استقرار سعر الصرف؛ فالسوق السودانية تتأثر بعوامل أوسع، تشمل حجم الصادرات، والواردات، والإنفاق الحكومي، وتوافر النقد الأجنبي، والثقة في النظام المصرفي، وتطورات الحرب.
لذلك، فإن القرار يعتبر أداة لضبط السوق وليس علاجاً منفرداً لأزمة الجنيه.
البنك المركزي يراجع الحسابات العملاء
في المسار ذاته، منح بنك السودان المركزي عملاء البنوك السودانية مهلة شهرين، تبدأ من 30 يوليو إلى 30 سبتمبر، لتحديث بيانات حساباتهم المصرفية.. وبعد انتهاء المهلة، يواجه الحساب غير المحدث الإيقاف والتجميد.
ولا ينفصل هذا الإجراء عن تشديد الرقابة على النقد الأجنبي؛ إذ يربط البنك المركزي تحديث بيانات العملاء بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، إلى جانب تعزيز الشفافية والامتثال للمعايير المصرفية الدولية.
الأكثر أهمية في التوجيه المصرفي ليس تحديث بيانات العملاء فحسب، وإنما مطالبة المصارف بتطوير أنظمتها التقنية والرقابية، وتشغيل أنظمة متخصصة تستطيع رصد حركة الحسابات واكتشاف العمليات غير المعتادة وتتبعها مبكراً.
وهذا يعني انتقال الرقابة تدريجياً من مجرد مراجعة بيانات العميل إلى مراقبة نمط معاملاته المالية، وهو ما يمنح البنك المركزي قدرة أكبر على تتبع الأموال المشبوهة والعمليات التي قد ترتبط بالاقتصاد غير الرسمي.
حرب مزدوجة على الاقتصاد الموازي
تكشف القرارات الأخيرة عن مسارين متكاملين:
الأول: ضبط حركة النقد الأجنبي وحصائل الصادر، ومحاولة جذب العملات الأجنبية إلى القنوات المصرفية.
الثاني: تشديد الرقابة على الحسابات وحركة الأموال لمنع استخدام النظام المصرفي في عمليات غير مشروعة.
وبذلك يبدو أن بنك السودان يسعى إلى إعادة بناء الثقة والرقابة داخل الجهاز المصرفي بالتوازي مع تنظيم سوق الصرف.
غير أن نجاح هذه الإجراءات لا يعتمد على المنشورات المصرفية وحدها، فالمصدر أو المستثمر لن يفضل القناة الرسمية لمجرد أنها منظمة، وإنما عندما يجد فيها سعراً منافساً، وسرعة في تنفيذ المعاملات، وقدرة على تحويل أمواله وتوفير احتياجاته من النقد الأجنبي.
كما أن تشديد الرقابة على الحسابات قد يحقق أهدافاً مهمة في مكافحة غسل الأموال، لكنه يحتاج إلى تنفيذ تقني سلس حتى لا يتحول إلى عبء على العملاء أو يؤدي إلى تعطيل النشاط المصرفي.
تحدي الثقة واختبار القدرة
يبدو بنك السودان المركزي أمام محاولة لإعادة الإمساك بخيوط سوق النقد الأجنبي من داخل الجهاز المصرفي، بعد سنوات اتسعت فيها الفجوة بين الاقتصاد الرسمي والسوق الموازي.
منح المصارف مرونة في شراء بعض حصائل الصادر، مع الإبقاء على سعر الضخ المركزي للعمليات الأخرى، يمثل محاولة لاستقطاب النقد الأجنبي؛ أما تحديث الحسابات وتشديد المراقبة التقنية فيمثلان محاولة لإغلاق منافذ الأموال غير المشروعة.
إن التحدي الذي يواجه البنك المركزي هو إعادة الثقة في الجهاز المصرفي واستعادة تدفقات النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، ولكن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة هذه الإجراءات على تحقيق المعادلة الأصعب: جذب الدولار إلى المصارف من دون دفع النشاط الاقتصادي إلى مزيد من السوق الموازي، وتشديد الرقابة من دون خنق حركة التجارة والاستثمار..
#فوري نيوز #البنك المركزي






