“الجنيه”.. معركة معاش الناس..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
لم تعد أسعار السلع في الأسواق السودانية تصمد حتى نهاية اليوم، إذ يضطر كثير من أصحاب المحال التجارية إلى تغيير بطاقات الأسعار أكثر من مرة تحت وطأة التراجع المستمر لقيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، وفي الصيدليات، باتت أسعار كثير من الأدوية ترتفع بوتيرة متسارعة، بينما يقف المرضى وأسرهم أمام رفوف الدواء في حيرة بين حاجتهم للعلاج وعجزهم عن توفير قيمته، أما في الأسواق الشعبية، فقد أصبحت عبارة “السعر اتغيّر” تتردد على ألسنة الباعة أكثر من أي وقت مضى، في مشهد يلخص حجم الأزمة الاقتصادية التي تلقي بظلالها الثقيلة على معاش المواطنين، وفي الوقت الذي تتواصل فيه معاناة الأسر السودانية مع موجات الغلاء غير المسبوقة، يواصل الجنيه السوداني رحلة التراجع أمام العملات الأجنبية، الأمر الذي ينذر بكارثة حقيقية إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة وفاعلة تعيد الاستقرار إلى سوق النقد، وتوقف الانفلات الذي انعكس على أسعار الغذاء والدواء والمواصلات وكافة مناحي الحياة.
جهود حكومية ولكن:
ورغم الجهود التي ظلت تبذلها حكومة الأمل برئاسة دكتور كامل إدريس، لاحتواء تدهور الجنيه، ومحاصرة انفلات العملات الأجنبية، إلا أن هذه الجهود لم تُجدِ فتيلاً، فلسان الواقع يقول إن الجنيه السوداني مستمرٌّ في تراجعه أمام سطوة العملات الأجنبية، الأمر الذي انعكس سلباً على ارتفاع معدلات التضخم، وتآكل القوة الشرائية للأسر السودانية بصورة متسارعة، ويرى مراقبون أن حكومة الأمل لم تنجح حتى الآن في تحويل وعودها إلى سياسات فعالة توقف نزيف الجنيه، إذ ما تزال الأسواق تتحرك وفق أسعار صرف متقلبة، الأمر الذي ألقى بظلال مباشرة على تكلفة الواردات وأسعار السلع الأساسية، ليجد المواطن نفسه في مواجهة معيشية قاسية تتفاقم يوماً بعد يوم.
حرب خفية:
وفي مقابل الجهود الحكومية الرامية إلى استقرار سوق النقد، تخرج معلوماتٌ من بين يدي بعض التقارير غير الرسمية وبعض التسريبات المزعجة عن وجود جهات تعمل على إفشال تلك مساعي حكومة الأمل عبر تنفيذ إجراءات مضادة تؤدي إلى استمرار اضطراب سوق العملات الأجنبية، وتشير هذه الروايات إلى أن الحكومة عملت خلال الفترة الماضية على إغراق البنوك والمصارف التجارية باحتياجاتها من العملات الأجنبية، بما يمكِّنها من تلبية طلبات تمويل الاستيراد للقطاعين العام والخاص، في محاولة للحد من الطلب على السوق الموازية، وكبح تدهور سعر صرف الجنيه وتحسين قيمته، إلا أن استمرار تراجع العملة الوطنية، رغم هذه التدخلات، يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحة حول الأسباب الحقيقية وراء فشل تلك الإجراءات في تحقيق أهدافها، خاصة في ظل الحديث عن وجود شبكات واسعة من المضاربين تنشط في تجارة العملة خارج القنوات الرسمية، بحيث تتسبب هذه الأنشطة في توسيع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وتعميق انهيار الجنيه، هذا فضلاً عن أنشطة مهربي الذهب والسلع الحيوية الذين يقومون بتهريب المعدن النفيس والموارد القومية إلى خارج البلاد بعيداً عن أعين الرقابة الحكومية الأمر الذي يحرم الخزينة العامة من عائدات الصادر الرئيسة بالنقد الأجنبي.
شهادات موجعة:
وبعيداً عن لغة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً وإيلاماً في أحاديث المواطنين الذين أصبحوا يدفعون الثمن الأكبر لانهيار الجنيه…
يقول أحد المواطنين ل”الكرامة”:
“نحن باختصار مُقبلين على كارثة حتكون قاصمة لو استمر الوضع بالشكل ده.”..
ويضيف مواطن آخر:
“حتى أخبار انتصارات الجيش في كردفان ودارفور بقت الناس ما بتتفاعل معها زي أول، لأن البطن طامة شديد، والناس بقت مشغولة بكيف توفر لقمة العيش.”..
ويقول موظف يعيل أسرته المقيمة بإحدى دول الجوار :
“أرسل كامل راتبي كل شهر لأهلي، والله ما بكفيهم ولو يومين بسبب الغلاء وارتفاع سعر الدولار.”..
وتروي إحدى السيدات معاناتها اليومية مع الأسواق قائلة:
“كل مرة نمشي السوق نلقى الأسعار اتغيرت، بقت أرقام فلكية، وما بقينا عارفين نشتري شنو ونخلي شنو.”..
والواقع أن هذه الإفادات تعكس بوضوح أن الأزمة قد تجاوزت حدود الاقتصاد، لتصبح أزمة اجتماعية وإنسانية تمس الأمن المعيشي للملايين.
معركة الاقتصاد:
ويرى خبراء اقتصاديون أن معالجة الأزمة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بحسم فوضى المضاربات في العملات الأجنبية، وتشديد الرقابة على الأسواق، وتفعيل القوانين بحق المتلاعبين، مروراً بزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي والتعديني، وتحفيز الصادرات، وجذب تحويلات السودانيين بالخارج عبر القنوات الرسمية، كما أن المطلوب من حكومة الأمل أن ترتقي إلى مستوى التحديات الراهنة، وأن تتعامل مع استقرار الجنيه باعتباره أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل، لأن انهيار العملة الوطنية يعني عملياً انهيار القوة الشرائية للمواطن، واتساع دائرة الفقر، وارتفاع تكلفة إعادة الإعمار بعد الحرب، ولعل أخطر ما في المشهد أن معركة استعادة عافية الاقتصاد لا تقل أهمية عن معركة الكرامة التي يخوضها الجيش السوداني دفاعاً عن البلاد، فإذا كانت القوات المسلحة تقاتل لاستعادة الأرض وحماية الدولة، فإن حماية الجنيه السوداني خط دفاع أول عن لقمة عيش المواطن، وتوضح قدرة الدولة على الصمود والتعافي، والانتصار الحقيقي لن يكتمل إلا عندما يشعر المواطن بأن ثمرة الأمن العسكري انعكست أمناً اقتصادياً واستقراراً في حياته اليومية.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن استعادة المدن من قبضة المتمردين تمثل خطوة كبيرة على طريق التعافي، لكن استعادة قيمة الجنيه السوداني تبقى معركة لا تقل أهمية، لأنها معركة المواطن الذي يخرج كل صباح بحثاً عن رغيف خبز، أو دواء، أو وسيلة مواصلات، ثم يعود مثقلاً بارتفاع الأسعار وتراجع قدرته على تلبية أبسط احتياجات أسرته، ولذلك، فإن ما ينتظره السودانيون اليوم ليس مزيداً من التصريحات أو الوعود، وإنما قرارات جريئة، وسياسات اقتصادية ناجعة، وحسم لفوضى سوق العملات، حتى يستعيد الجنيه عافيته، ويستعيد المواطن ثقته في أن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
#فوري نيوز #الجنية السوداني# عملات أجنبية






