تطورات ميدانية تهزُّ الحركة وتهدد عرش القيادة،،
الحلو.. مواجهة “المُر”..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
تتواصل بمناطق سيطرة الحركة الشعبية شمال إقليم جبال النوبة تطوّرات ميدانية متسارعة تهزُّ الحركة من الداخل، وتهدّد قيادة عبد العزيز الحلو لها، حيث تحوَّلت مواجهة الجيش الشعبي مع ثوار الأطورو إلى صدام يلامس قلب مناطق نفوذ الحركة في كاودا، بالتزامن مع أحاديث عن فرار قيادات عسكرية وسياسية بارزة إلى دولة جنوب السودان، وسيطرة ثوار الأطورو على مواقع ومقار ذات رمزية سياسية وتاريخية، بينما يواجه الحلو حالة من القلق والشكوك بشأن تحركات بعض حلفائه واتصالاتهم بقادة ميليشيا الدعم السريع.
اختبار حقيقي:
والواقع أن المعارك الضارية بين ثوار الأطورو والجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية، تجاوزت مفهوم المواجهة الميدانية المحلية على النفوذ والأرض، بعدما بدأت التطورات الأخيرة ترسم صورة أكثر تعقيداً، تبدو فيها الحركة أمام اختبار حقيقي لتماسك قيادتها وقدرتها على الحفاظ على مناطق سيطرتها، وفي مقدمتها كاودا، وبحسب ما أوردته مصادر، فإن قيادات عسكرية وسياسية بارزة بالحركة غادرت كاودا باتجاه دولة جنوب السودان، وسط حديث عن خلافات داخل القيادة بشأن طريقة التعامل مع التطورات الميدانية، وفي المقابل، تشير معلومات متداولة إلى أن ثوار الأطورو تمكنوا من السيطرة على عدد من المواقع والمقار في منطقة {لويري بكاودا}، من بينها مقبرة الشهداء وقبر القائد الراحل يوسف كوة، إلى جانب منزل عبد العزيز الحلو، ومنزل نائبه (جقود مكوار)، ومنزل رئيس أركان الحركة (عزت كوكو)، وعدد من المؤسسات والمقرات الرئاسية.
ساحة اختبار:
وطوال السنوات الماضية ظلت كاودا معقل الحركة الشعبية تمثل مركزاً سياسياً وعسكرياً، وارتبط اسمها بقيادات الحركة وتاريخها، كما ارتبطت بصورة الحركة في جبال النوبة ومشروعها السياسي، لكن دخول الأطورو في مواجهة مفتوحة مع الجيش الشعبي قد غيَّر طبيعة المشهد، فحين تصبح منازل قيادة الحركة والمقار الرئاسية وقبر يوسف كوة ومقبرة الشهداء ضمن خارطة السيطرة المتنازع عليها، فإن الأمر يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، لم تعد المسألة مجرد احتجاج على سياسات الحركة، بل أصبحت مواجهة على الأرض والرمز والسلطة معاً.
هروب قيادات:
وفي موازاة الضغط الميداني، تتحدث مصادر عن مغادرة قيادات عسكرية وسياسية بارزة بالحركة الشعبية كاودا إلى جنوب السودان وسط معلومات تشير إلى وجود توتر بين نائب رئيس الحركة (جقود مكوار) ورئيس أركانها (عزت كوكو)، وذلك على خلفية مواقف مرتبطة بالتعامل مع الأطورو وممارسات القوات على الأرض، وإذا صحت هذه الرواية، فإن الأخطر بالنسبة لعبد العزيز الحلو لا يكمن فقط في خسارة موقع هنا أو مقر هناك، وإنما في احتمالية انتقال الخلاف من مستوى الميدان إلى بنية القيادة نفسها، وبإجماع مراقبين فإن الحركات المسلحة تستطيع في كثير من الأحيان امتصاص خسارة موقع جغرافي، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما تبدأ الخلافات داخل القيادة في التأثير على وحدة القرار العسكري والسياسي، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تستطيع قيادة الحلو إدارة المعركة الخارجية فيما تواجه في الوقت ذاته اختباراً داخلياً لوحدة صفها؟.
ارتفاع سقف المواجهة:
وفي قلب مشهد الأحداث داخل مناطق الحركة الشعبية، يقف مجتمع الأطورو الذي انتقل، من حالة الاعتراض والاحتجاج إلى التزام المواجهات المسلحة المفتوحة مع قوات الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية، وفي هذا المنحي دعا مبارك أردول، رئيس التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية والناطق الرسمي السابق باسم الحركة الشعبية شمال – قطاع جبال النوبة، إلى مساندة الأطورو، مشيداً بصبرهم وتضحياتهم، ومحذراً من أن انتصار الحلو ومعاونيه سيقود، إلى فقدان الأطورو لأراضيهم ومناطقهم، بما فيها كاودا ومدنها، وقال أردول إن بقاء الأرض شرطٌ لبقاء القضية ، داعياً إلى مساندة الأطورو والعمل على هزيمة الطغيان وعزله، وتتجاوز أهمية إفادة مبارك أردول مضمون الدعوة نفسها، لكونها صادرة عن شخصية سبق أن شغلت موقعاً قيادياً داخل الحركة الشعبية، ما يمنحها وزناً سياسياً في قراءة طبيعة الانقسام المتنامي حول قيادة عبد العزيز الحلو.
شكوك الحلو:
وفي تطور سياسي خطير، أفادت معلومات بتسلم عبد العزيز الحلو، تقريراً سرياً في الثالث من أغسطس الجاري، عن رصد وحدة خاصة للاستخبارات بالحركة بداية علاقة وصفت بالقوية بين قادة ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو وعبد الرحيم دقلو والقوني دقلو، وبين كارلو جون، وزير مالية ما يعرف بـحكومة تأسيس، حيث تشير المعلومات المتداولة إلى أن اللقاءات تناولت قضايا مرتبطة بمنفستو الحركة وإدارة الاستثمارات، ولا سيما في مجال التعدين عن الذهب، إلى جانب تحركات مرتبطة بتأمين رئيس الحركة ومقارّه في كمبالا ونيروبي وجوبا، ونشاط مكاتب الحركة الخارجية في دول الاتحاد الأوروبي، ويرى مراقبون أن مجرد وصول هذا التقرير إلى قيادة الحركة الشعبية، يكشف حجم القلق الذي يحيط بتحالفاتها واتصالاتها الخارجية.
مفارقة لافتة:
ويشير محللون سياسيون إلى مفارقة عجيبة تدور داخل منظومة الحركة الشعبية، ذلك أن عبد العزيز الحلو يواجه ضغطاً على الأرض من ثوار الأطورو، وفي الوقت نفسه يراقب تحركات خارجية يخشى أن تؤثر في مشروع تحالفاته، وهذا يعني أن معركة الحلو لم تعد محصورة في خطوط النار حول كاودا فقط، يأتي ذلك في وقت يكتسب فيه الحديث عن انتقال قيادات إلى جنوب السودان أهمية خاصة، بالنظر إلى موقع الدولة المجاورة وصلاتها التاريخية والسياسية والعسكرية بالملف السوداني، وتذهب تحذيرات صادرة عن خبير عسكري إلى احتمال وجود ترتيبات لدعم الحلو وتمكينه من إعادة تنظيم قواته ومحاولة استعادة السيطرة على كاودا، محذراً من أن أي دعم من هذا النوع قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من التصعيد، بيد أن هذا السيناريو، إن وقع، لن يكون بلا كلفة، باعتبار أن إعادة تنظيم القوات ومحاولة استعادة المناطق المفقودة قد تعني فتح جبهة جديدة في جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، في وقت تبدو فيه الأزمة الداخلية للحركة نفسها بحاجة إلى معالجة سياسية قبل أن تتحول إلى انقسام طويل الأمد.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن التطورات التي تشهدها مناطق سيطرة الحركة الشعبية في جبال النوبة تتجاوز قيمة السؤال المنطقي عن من يسيطر على هذا الموقع أو ذاك؟ إلى المعادلة شديدة التعقيد التي تواجهها قيادة الحركة الشعبية، والمتمثلة في كيفية استعادة الأرض من دون إعادة إنتاج الانقسام، وكيفية الحفاظ على وحدة القيادة من دون خسارة حلفاء، وما السبيل إلى احتواء غضب الأطورو من دون تحويل الخلاف إلى قطيعة تاريخية داخل مجتمع جبال النوبة، وجميعها أمورٌ تواجه الحلو، وأحلاها “مرُّ”.
#فوري نيوز #الحلو# إسماعيل جبريل تيسو






