مقالات وتقارير

الجلالات…. يستعيدها الجيش في ذكرى عيده الـ72

فوري نيوز

 

الجلالات.. الغناء بذاكرة السودان

 

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

أوقدت القوات المسلحة السودانية الشمعة الثالثة والسبعين لاحتفالاتها بذكرى سودنة الجيش، بعد أن أطفأت أمس شمعتها الثانية والسبعين، في مناسبة جاءت هذا العام تحت شعار “جيش منتصر.. وشعب مقتدر”، وهي فعالية استعادت خلالها المؤسسة العسكرية تاريخها الممتد منذ النواة الأولى لقوة دفاع السودان في عشرينيات القرن الماضي، وبينما تتعالى أصوات المارشات العسكرية، وتستعيد ميادين القتال في كردفان ودارفور والنيل الأزرق تكبيرات الجنود وتهليلاتهم بالانتصارات الساحقة والمتلاحقة، تشكل الجلالات حضوراً نفسياً وحماسياً وسط المقاتلين.
ذاكرة وحكايات
وتكتسب الجلالات أهمية خاصة في مثل هذه المواقف، فهي ذاكرة صوتية تروي حكايات البطولة، وتحتفظ بتراث الأقاليم وإيقاعات البلاد المتعددة في الوجدان السوداني، ولا ينفصل صوت الجندي في خضم الجلالة عن وقع خطوته، كما لا ينفصل الميدان عن إيقاع الطبل والنحاس، فتتردد الجلالة جماعياً لتمنح الصف صوتاً وإيقاعاً واحداً، ولكن خلف ذلك الصوت حكايةٌ تمتد إلى أهازيج العمل الجماعي والحصاد والنفير، وإلى أناشيد الحرب والحماسة التي عرفتها المجتمعات السودانية عبر عصور مختلفة، إنها الجلالات.. حين تتحول الحماسة إلى لحن، والتاريخ إلى كلمات، والذاكرة الشعبية إلى مارش عسكري، فويلٌ للعدو من غضبةٍ اقتربت، فنحن في الشدة بأسٌ يتجلى.


العمل الجماعي
والواقع أن الجلالة لم تكن في أصلها مجرد أغنية للترفيه، وإنما ارتبطت بالعمل الجماعي ” النفير” والحاجة إلى إيقاع يجمع الأفراد ويعينهم على مواصلة الجهد، وعرف السودانيون هذا النمط في الزراعة والحصاد، والموانئ والشحن والمحالج وغيرها من الأعمال التي يصبح فيها الإيقاع وسيلة لتنظيم الحركة ورفع المعنويات، وحين دخل هذا التقليد إلى الحياة العسكرية، وجد بيئة مناسبة، فالجندي يتدرب في مجموعة، ويحتاج إلى الانضباط في الخطوة والحركة، وإلى ما يرفع روحه المعنوية أثناء التدريب والعمل الشاق، ومن هنا أخذت الجلالة مكانها في الميدان، فهي صوت الجماعة، تتقدمها الموسيقى، وترددها الحناجر، وتتزامن معها الخطوات، لتمنح الفرد إحساساً بأنه جزء من قوة أكبر منه.
أقدم من الجيش
وقبل الجيش الحديث، يقول لسان التاريخ إن مجتمعات السودان القديمة، عرفت الجندية والحرب والبطولة، وعرفت معها وسائل التعبير عن الشجاعة والتحفيز الجماعي، ومن ممالك كوش ونبتة ومروي والممالك النوبية، مروراً بسنار ودارفور وتقلي، ثم العهد التركي السابق والمهدية والحكم الثنائي، ظلت الحرب حاضرة في الذاكرة الشعبية، وظل للأبطال والمقاتلين حضورهم في القصص والأهازيج، فقد كانت أناشيد الحرب تمجد الفرسان، وتحفز المقاتلين، وتستحضر الانتصارات، وتحفظ أسماء الشخصيات التي صنعت حضوراً في الذاكرة، ومع تطور الموسيقى العسكرية، أصبحت بعض الأغنيات الشعبية ذات الإيقاع المنتظم قابلة للتحويل إلى مارشات عسكرية، بينما احتفظت الأعمال التي تحمل كلمات بتسمية الجلالات.
ود الشريف ومندي
ومن لدن السلطان علي دينار في دارفور، إلى أميرة جبال النوبة مندي بنت السلطان عجبنا، تحولت أسماءٌ إلى ألحان، فأجمل ما في الجلالات السودانية أنها تحمل في داخلها شخصية أو مكاناً أو واقعة، ومن أشهر نماذجها {ود الشريف رأيو كِمِل}، وهو مارش ارتبط بالسلطان علي دينار، قبل أن ينتقل إرثه إلى قوات دفاع السودان ويواصل حضوره في الموسيقى العسكرية، وهناك مارش {مندي بنت السلطان عجبنا}، الذي يحمل إلى الميدان قصة نضال امرأة ضد المستعمر في منطقة جبال النوبة، فتحولت أهزوجتها الشعبية إلى مارش عسكري حماسي، وتتسع الخريطة لتشمل أهازيج ومارشات مستوحاة من تراث مناطق وقبائل متعددة، من الشايقية والشلك إلى النوبة، ومناطق كردفان ودارفور والشرق والجنوب، بما يعكس تنوع البيئات الثقافية في البناء اللحني والإيقاعي للمارشات.
النحاس والطبول والقِرَب
ولا يمكن الحديث عن الجلالات من دون استحضار موسيقى الجيش التي منحتها شكلها المميز، فالآلات النحاسية والطبول والقِرَب وآلات الإيقاع تصنع المشهد المعروف في الاحتفالات والمناسبات العسكرية وميادين التدريب، فتصبح الموسيقى جزءاً من الانضباط، حيث تتجاوز وظيفة الموسيقى العسكرية الاستعراض، فهي تساعد على ضبط الخطوة، ورفع الروح المعنوية، ودعم التدريب، والمحافظة على التقاليد والمراسم العسكرية، كما لعبت دوراً في حفظ بعض التراث الشعبي وتدوينه، بعد جمع نماذج من الأغنيات والمارشات المستمدة من ثقافات مختلفة، ليصبح سلاح الموسيقى إحدى الحواضن التي حملت بعض الألحان الشعبية إلى أجيال لاحقة.


دفتر الذاكرة
ويفتح الخبير العسكري فريق شرطة حقوقي دكتور جلال تاور نافذة واسعة على تاريخ الجلالات والمارشات العسكرية في السودان، مؤكداً أن هذا الإرث قديم قدم الجندية نفسها، وقال تاور في إفادته للكرامة إن وظيفة الجلالات الأساسية تتمثل في خلق الحماس في نفوس القوات أثناء التدريب والعمل الشاق، ولا يحصر تاور الظاهرة في المؤسسة العسكرية، مشيراً إلى وجودها في أعمال الموانئ والشحن والمحالج، وحتى الأعمال الزراعية الجماعية والحصاد ” النفير”، باعتبارها وسيلة لتوحيد الإيقاع ورفع الروح المعنوية، ويؤكد أن الجندية في السودان قديمة قدم التاريخ، مستعرضاً جذورها في ممالك كوش ونبتة ومروي والممالك النوبية، ثم سنار ودارفور وتقلي، والعهد التركي السابق، فالمهدية والحكم الثنائي، مشيراً إلى أن تلك الحقب عرفت أناشيد الحرب وأغاني الحماسة التي تمجد الأبطال وتشحذ حماس المقاتلين، وينوه الفريق تاور إلى أنه عند الانتقال إلى الجيش الحديث في العام 1925م، شكلت الجلالات حضوراً مهماً في تاريخ المارشات العسكرية، ومن أشهرها {ود الشريف رأيو كِمِل} المرتبط بالسلطان علي دينار، والذي استمر بعد دمج قوات السلطنة في قوات دفاع السودان، لكن الأبرز في إفادة الخبير العسكري جلال تاور أن هذا التراث لم يكن نسخة واحدة في كل السودان، إذ كان لكل مديرية وإقليم مارش خاص يعكس تراثه وثقافته، ومنها مارشات كردفان، وبحر الغزال، والاستوائية، ودارفور، وكسلا، والشمالية والخرطوم، ومع تطور القوات المسلحة وتوحيدها، جرى جمع هذا الإرث المتنوع تحت مظلة سلاح الموسيقى بالقوات المسلحة السودانية، ليصبح حاملاً لذاكرة وتراث أقاليم السودان المختلفة، وهنا تكمن المفارقة الجميلة في قصة الجلالات.. المؤسسة التي وحّدت الصفوف وحملت في موسيقاها تعدد السودان نفسه، وختم الفريق جلال تاور إفادته للكرامة بتهنئة القوات المسلحة السودانية بالعيد وانتصاراتها المتتالية، داعياً الله أن يحقق للسودان النصر والسلام والأمن والاستقرار.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر، فإن الجيش الذي يحتفل بذكرى عيده الـ72 يستعيد إرثاً موسيقياً وثقافياً تكوّن عبر عقود طويلة، وحمل إلى داخله أصوات الأقاليم المختلفة، وأسماء السلاطين والأبطال، وإيقاعات القبائل والمناطق، لذلك تستحق الجلالة السودانية أن تُقرأ باعتبارها تراثاً عسكرياً وفولكلوراً وطنياً في آن واحد، وربما آن الأوان لإنتاج مشروع منظم لتوثيقها، بجمع نصوصها وألحانها وقصصها ومناسبات ظهورها، ويحفظ ما بقي منها في ذاكرة الجنود والقدامى والموسيقيين، فما يُسمع اليوم في ميدان التدريب وساحات القتال قد يصبح غداً وثيقة تاريخية، فالجلالات تمثل السودان الواحد، حين يختصر تاريخه الطويل في صوتٍ واحد.

 

#فوري نيوز #الجلالات# الميدان# الجيش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى