مقالات وتقارير

الجنيه يسجّل تراجعاً جديداً أمام العملات الأجنبية

الخرطوم / فوري نيوز

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو:

يتواصل الانهيار المتسارع لقيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، حيث وصلت إلى أرقام تاريخية، وانتقلت تداعيات هذا الانهيار مباشرةً إلى حياة المواطنين والأسواق، وسط تغيرات متلاحقة في أسعار العملات والسلع، وفي وقتٍ تواجه فيه الأسواق السودانية حالة من الاضطراب دفعت بعض التجار إلى إحجام مؤقت عن البيع خشية الخسائر، يجد السودانيون في مصر أنفسهم أمام معادلة أكثر قسوة، إذ تتراجع قيمة دخولهم المحسوبة بالجنيه السوداني أمام التزاماتهم بالجنيه المصري، ما دفع بعض أرباب الأسر إلى التفكير جدياً في إعادة أسرهم إلى السودان، حتى لو ترتب على ذلك توقف الدراسة الجامعية لبعض الأبناء.

المواطن يدفع الثمن:
وتبدو سرعة تغير الأسعار أكثر تعبيراً عن حجم الأزمة داخل السودان في ظل التحرك المستمر للسوق، وارتفاع مجنون في أسعار السلع الأساسية التي تتغير بين فينة وأخرى وسط صدمة المواطنين الذين وقفوا مذهولين أمام التراجع المستمر للجنيه وما يترتب عليه من تغيير مستمر في الأسعار بزيادات شملت معظم السلع الاستهلاكية، ما حدا ببعض التجار إلى الإحجام عن البيع أو تعليق أنشطتهم مؤقتاً، في محاولة لحماية رؤوس أموالهم من التآكل، إذ بات التاجر نفسه عاجزاً عن معرفة السعر الذي سيتمكن به من تعويض البضاعة التي يبيعها اليوم، وتزداد وطأة الأزمة على المواطن مع تراجع القوة الشرائية للدخول، لتتحول أزمة سعر الصرف سريعاً إلى أزمة معيشية تضرب الغذاء والدواء والتعليم وسائر الاحتياجات الأساسية.

عملة
عملة

إعادة الحسابات:
وعلي صعيد السودانيين في مصر والذين يجأرون من شكوى تراجع الجنيه السوداني أمام الجنيه المصري، إذ ارتفع الأخير خلال يومين فقط بنسبة وصلت إلى نحو 20 في المائة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على السودانيين في الداخل والخارج، إذ يكابد السودانيون في مصر جراء الانهيار المستمر للجنيه، حيث يتعين على الأسرة التي تحصل على دخلها بالجنيه السوداني تدبير نفقاتها بالجنيه المصري، في وقت تتسع فيه الفجوة بين العملتين بصورة متسارعة، وقال عدد من أرباب الأسر السودانية تحدثوا للكرامة من الخرطوم، إنهم باتوا يفكرون بجدية في سحب أسرهم من مصر وإعادتها إلى السودان، بعد أن أصبحت مرتباتهم غير قادرة على مواجهة الارتفاع المستمر في كلفة المعيشة، ويقول هؤلاء إن القرار قد يصل إلى التضحية بمسار الدراسة الجامعية لبعض الأبناء، في مفارقة تكشف كيف يمكن لانهيار العملة أن يتحول من أزمة اقتصادية إلى قرارات تمس مستقبل الأسرة مباشرة.

أكبر من ملاحقة الدولار:
ويرى المحلل الاقتصادي دكتور هيثم فتحي أن محاصرة ارتفاع الدولار والسوق الموازية لا يمكن أن تنجح بالحلول الأمنية والقرارات قصيرة الأجل وحدها، وقال دكتور فتحي في إفادته للكرامة إن جوهر المشكلة يرتبط بمعادلة العرض والطلب على النقد الأجنبي، مبيناً أن المعالجة المستدامة تبدأ من زيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي عبر تحفيز الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وإعادة الثقة في النظام المصرفي الرسمي ليصبح القناة الأكثر جذباً للنقد الأجنبي، ويضيف دكتور هيثم فتحي أن الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي أديا إلى انخفاض الدورة الاقتصادية للعملة بأكثر من 80 في المائة مقارنة بما قبل الحرب، فيما تحولت نسبة كبيرة من الكتلة النقدية المتبقية إلى نشاط قائم على المضاربات، الأمر الذي فاقم من الضغوط على الجنيه وأدى إلى ارتفاع التضخم وتكاليف سلة الغذاء وزيادة معدلات الفقر.

رئيس الوزراء وزامة الجنية السوداني
رئيس الوزراء وزامة الجنية السوداني

إجراءات حكومية ولكن:
وكانت السلطات السودانية قد اتخذت إجراءات لمواجهة المضاربة وتجارة العملة، شملت توقيف ومحاكمة عدد من المتعاملين في السوق الموازي، وأسهمت تلك الإجراءات في تراجع سعر الصرف لفترة محدودة، قبل أن يعاود الارتفاع، يأتي ذلك في وقت اتخذت فيه اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس حزمة من القرارات الرامية إلى ضبط سعر الصرف وتحسين الوضع الاقتصادي وتخفيف الأعباء المعيشية، من بينها سد الثغرات التي تؤدي إلى تآكل قيمة العملة الوطنية، وتفعيل خلية سعر الصرف، إلى جانب الدفع بقطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين وتشجيع الصناعات التحويلية، غير أن تكرار عودة السوق الموازي إلى النشاط بعد كل موجة من الإجراءات يعيد طرح السؤال حول قدرة المعالجات قصيرة الأجل على وقف النزيف، في ظل اقتصاد أنهكته الحرب وتراجعت قدرته الإنتاجية والتصديرية.

خاتمة مهمة:
على كلٍّ.. تبدو استعادة قيمة الجنيه مرتبطة بمعركة أوسع من ضبط السوق الموازي، معركة تبدأ من إعادة الإنتاج إلى دورته، وزيادة الصادرات وتوفير النقد الأجنبي، وإعادة الثقة إلى الجهاز المصرفي، وتحقيق قدر من الاستقرار في السياسات الاقتصادية، فحين ينهار الجنيه، لا يخسر المواطن ورقة نقدية من قيمتها فحسب، وإنما يخسر معها جزءاً من قدرته على شراء الغذاء، وتمويل التعليم، وحماية مدخراته، بل وحتى اتخاذ قرار البقاء أو العودة إلى الوطن، وهنا تكمن خطورة الأزمة: أن يتحول سعر الصرف من مؤشر اقتصادي إلى محدد مباشر لمصائر الأسر السودانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى