مقالات وتقارير

واشنطن ترفع سقف الاتهامات والخرطوم تنتظرها تحركات

الخرطوم / فوري نيوز

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

بعد مرور أكثر من أسبوع على جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن تمديد ولاية حظر الأسلحة على دارفور لشهر مؤقت، وفشل الاتفاق على تعميم الحظر على كل السودان، بدأت واشنطن تحركاتها خارج أروقة مجلس الأمن بتصريحات جديدة لمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، قال فيها إن الولايات المتحدة توصلت إلى أدلة على استخدام الجيش السوداني أسلحة كيماوية ضد المدنيين، وهو تطور يضع الحكومة السودانية أمام حراك دبلوماسي وفني وإعلامي عاجل للتعامل مع الاتهامات وتقديم روايتها وأدلتها أمام المجتمع الدولي.

من الحظر إلى الكيماوي:
ولم تقتصر تصريحات بولس على ملف حظر السلاح، إذ قال إن إدارة الرئيس السابق «جو بايدن» خلصت إلى استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية وفرضت عقوبات، وإن إدارة الرئيس «دونالد ترامب» توصلت بدورها إلى أدلة دفعتها إلى تجديد العقوبات، وتحدث بولس عن استمرار تدفق السلاح إلى أطراف الحرب، وعن مساعي واشنطن لدعم هدنة إنسانية وحل سياسي ورفض تقسيم السودان أو إقامة حكومة موازية، وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تأتي بعد نشر تقارير صحفية أميركية تحقيقات قالت إنها تستند إلى وثائق وصور ومقاطع فيديو ورسائل، بينما تؤكد تلك التقارير نفسها أن التحقق النهائي من بعض الوقائع يحتاج إلى الوصول إلى المواقع والشهود والأدلة المادية، ومن هنا، فإن المطلوب من الخرطوم ليس الاكتفاء بالنفي، وإنما تحويل الاتهام إلى قضية أدلة وتحقيق فني وقانوني.

مهلة للتحرك:
ومع بقاء حظر الأسلحة في نطاق دارفور وعدم تمرير توسيعه ليشمل كامل السودان، يرى مراقبون أن أمام الحكومة نافذة زمنية محدودة لإعادة ترتيب أوراقها قبل الاستحقاق المقبل، منوهين إلى أن المطلوب أن تتحرك أجهزة الحكومة بشكل متزامن على ثلاثة مسارات، دبلوماسي يشرح الموقف السوداني للعواصم المؤثرة، ولأعضاء مجلس الأمن، وفني يتعامل مع الاتهامات والأدلة بصورة مهنية، وإعلامي يخاطب الرأي العام الدولي بلغة الوثيقة والمعلومة، فالتمديد المؤقت لا يعني أن مشروع توسيع الحظر انتهى، وإنما أن المعركة انتقلت إلى مرحلة جديدة يمكن أن تكون فيها قوة الملف السوداني عاملاً مؤثراً في النقاش المقبل.

ضرورة ملحة:
ويطلُّ المسار الدبلوماسي برأسه لكونه يمثل أولويةً عاجلة، خصوصاً عبر تكثيف التواصل مع روسيا والصين، العضوين الدائمين في مجلس الأمن، إلى جانب الدول الأفريقية وبقية الدول التي أبدت تحفظات على توسيع الحظر، ودعمت الرواية السودانية، ولا ينبغي انتظار مشروع قرار جديد، بل العمل من الآن على تقديم ملف متكامل يشرح الموقف السوداني، ومخاطر توسيع الحظر، وطبيعة التدخلات الخارجية وتدفقات السلاح إلى الميليشيا المتمردة، مع طرح الأدلة والوثائق التي يمكن أن تساعد الدول الأعضاء على تكوين مواقفها.

الدليل الفني:
ويرى الفريق شرطة حقوقي دكتور جلال تاور، الخبير العسكري والأمني، أن البيانات السياسية وحدها لا تكفي، وأن التعامل مع الاتهامات باعتبارها حملة سياسية فقط قد يحرم السودان من فرصة تفنيدها علمياً وقانونياً، وينوه الفريق تاور في إفادته للكرامة إلى أن السودان سبق أن شكّل لجنة للنظر في هذه المزاعم، وأعلن رفضه تهمة استخدام الأسلحة الكيميائية، كما دعا إلى إرسال فرق فنية للتحقق منها، مشدداً على أن الفيصل ينبغي أن يكون الدليل الفني لا التقارير الصحفية أو التقديرات السياسية، ويدعو الخبير العسكر ي إلى استمرار التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وفتح المواقع التي وردت في الادعاءات أمام الجهات المختصة لفحص العينات والأدلة وفق المعايير الدولية، موضحاً أن مادة الكلور الواردة في حيثيات الاتهامات لها استخدامات مدنية معروفة، من بينها معالجة مياه الشرب، وأن وجود المادة في حد ذاته لا يثبت استخدامها كسلاح.

لا تتركوا الساحة للاتهام:
ويشدّد الفريق شرطة حقوقي جلال تاور على ضرورة عدم توقف التحرك الفني عند قضية الأسلحة الكيميائية، بل يمتد إلى ملف الأسلحة والطائرات المسيّرة ومصادرها ومكوناتها ومسارات وصولها إلى السودان، مبيناً أن التقارير الدولية الحديثة تتحدث عن تدفق أسلحة وتقنيات أجنبية إلى طرفي الحرب، فيما دفعت الولايات المتحدة باتجاه توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان والطائرات المسيّرة ومكوناتها، وقال إن إعداد ملف سوداني موثق، يجمع الأدلة الفنية والقانونية والخرائط والمعلومات حول مصادر التسليح، يمكن أن يمنح التحرك الدبلوماسي أرضية أكثر صلابة، وأشار الفريق تاور إلى معركة الراوية الإعلامية، مبيناً أن الحكومة في حاجة إلى خطاب موحد ومتزن، لا يكتفي بنفي الاتهامات فحسب، وإنما يقدم المعلومات والوثائق ويشرح للرأي العام الدولي موقف السودان، مع أهمية إتاحة المعلومات أمام الصحفيين والباحثين وفتح المجال أمام التحقيقات المهنية المستقلة بما يساعد في نقل القضية من مساحة السجال السياسي إلى مساحة التحقق والدليل.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن الخرطوم لم تعد أمام استحقاق مجلس الأمن وحده، فتصريحات مسعد بولس الجديدة تكشف اتساع المسار الأميركي ليشمل ملفات متداخلة، من حظر السلاح إلى الأسلحة الكيميائية وتدفقات الدعم العسكري، مما يتطلب تحركاً سودانياً واحداً تتكامل فيه الدبلوماسية مع الخبرة الفنية والإعلام المهني، حتى لا تظل واشنطن صاحبة الرواية الأوسع حضوراً، وحتى يدخل السودان أي نقاشات دولية مقبلة بملفات كافية، وإجابات شافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى